و لكن سنّة الله تعالى في الكون قد اقتضت أن يتسلّل نور الأمل من ظلمة اليأس ، و أن يولد الرجاء من رحم القنوط ، ففي مثل هذه العتمات الحالكة يظهر دور العلماء و الدعاة الصادقين ، و تسطع مواقفهم المشهودة حينما تهتدي الأمة بأنوارهم ، فتهوي نحوهم الأفئدة ، و تتطلّع إليهم الأنظار ، إذ وهب الله تعالى هذا البلد رجالًا صادقين من أهل الشريعة ، حملوا أمانة العلم ، و قاموا بما يُمليه عليهم دينهم و علمهم في مثل هذه الظروف الصعبة السوداوية .
و كان الشيخ"عبدالحميد بن محمد بن مصطفى بن مكي بن باديس"أحد أولئك الأبطال العاملين ، الذين شمّروا عن ساعد الجد ، و أدّوا دورًا نضاليًّا مشرّفًا في هذه المعركة ، يختال به تاريخ الجزائر فخرًا ما تعاقب الليل و النهار .
الشيخ عبدالحميد بن باديس و ثقافته:
وُلِد الشيخ الجليل عبدالحميد بن باديس في مدينة"قسنطينة"في شرق الجزائر عام 1889 م ، لأسرة ذات وجاهة و علم ، فحفظ القرآن الكريم ، و تلقى العلم على يد علماء مدينته قسنطينة ، ثم ارتحل إلى تونس عام 198 لاستكمال دراسته في جامعة الزيتونة . و هناك تلقّى العلم على يد ثلّة من المشايخ الفضلاء .
ثم شدّ الرحال إلى الحجاز في عام 1913 لأداء فريضة الحج ، و عرج في رحلته تلك على مصر و التقى بالعديد من علمائها و رجالاتها ، فكان لهذه الرحلات أثر كبير في صياغة شخصيته و عقله ، فقد تعرّف على السلفية عن كثب ، و عاين بنفسه نقاء هذه الدعوة و صفاءها .
من خلال التحصيل العلمي الطيّب الذي حازه الشيخ ، و الرحلات المفيدة التي قام بها إلى الحجاز و مصر و تونس ، انقدح في ذهنه أن ما يجري في الجزائر كان بسبب عزوف أهلها عن النهج الأصيل المنبثق من مشكاة القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ، و استسلام غالبية الناس للخرافات و البدع التي لم ينزل الله بها من سلطان ، فأورث هذا الإنحراف في جسد الجزائر الداء العضال ، الذي انتهى بوقوعها غنيمة باردة في يد فرنسا . و على ضوء هذا الفهم يكون الإستعمار الفرنسي للجزائر نتيجةً حتمية لحالة الضعف و الإنحطاط الذي هو مكمن الداء ، فكان لزامًا أن يشرع بعملية الإصلاح ، و لكن انطلاقًا من مستوىالجذور والأسس .
فعاد الشيخ ابن باديس إلى الجزائر ، يحمل في ذهنه مشروعًا إصلاحيًا طموحًا ، و رأى أن هذا المشروع يتطلّب وسيلةً تحقّق له الإنتشار ، و تضمن له الوصول إلى كافة شرائح المجتمع ، و في نفس الوقت لا تتعرّض إلى طائلة المستعمر الفرنسي و بطشه ، فوجد أن أفضل وسيلة متاحة هي: الصحافة ، فاتّجه إليها .
و شارك الشيخ في جريدة اسمها"النجاح"صدرت في عام 1919 ، ساهم فيها تأسيسًا و تحريرًا ، و كانت مقالاته تُمهر باسم مستعار هو"القسنطيني"أو"العبسي".
و لكنه رأى أن هذه الجريدة لم تكن على مستوى تطلّعاته و مشروعه الفكري الإصلاحي ، فتركها ليؤسّس صحيفته الخاصة ، و أنشأ جريدة اسمها"المنتقد".
غير أن السلطات الفرنسية أغلقتها بعد صدور 18 عدد منها ، بسبب تبنّيها خطًا ثوريًّا يستفزّ المستعمر ، و يثير حفيظته . فاستفاد الشيخ من هذا الدرس ، و قام بإنشاء جريدة أخرى اسمها:"الشهاب"مستغلًا الخبرات التي حصل عليها هو وإخوانه في المجال التحريري و الفنّي في جريدة"المنتقد". فصدر أوّل عدد منها في عام 1926 م ، و استمرّت حتى أغلقتها السلطات الفرنسية بسبب بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 م .
الأساليب الإصلاحية في مجلة"الشهاب":
و من خلال استقراء موادّ مجلة"الشهاب"، نستطيع أن نحدّد أهمّ الأساليب الإصلاحية التي سارت عليها المجلة ، و أن نحصرها في محوريْن اثنين ، هما:
1 -تصحيح عقائد الناس و أعمالهم .
2 -الإهتمام بالتعليم .
فهاتان القضيتان كانتا أهم الملامح التي تشكّل سمة الخطاب الإسلامي في هذه المجلة الرائدة ، فعلى صعيد إصلاح عقائد الناس وأعمالهم أفصح الشيخ عن المنهج الذي تبنّاه فيها ، إذ يقول:"قمنا بالدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح من التمسك بالقرآن الشريف و الصحيح من السنة الشريفة و قد عرف القائمون بتلك الدعوة ما يلاقونه من مصاعب و قحم في طريقهم من وضع الذين شبّوا على ما وجدوا عليه آباءهم من خلق التساهل في الزيادات و الذيول التي ألصقها بالدين المغرضون أو أعداء الإسلام الألداء و الغافلون من أبناء الإسلام"ا هـ .
أما على صعيد التعليم ، فقد كان يرى فيه أمضى سلاح لمقاومة المعتدي و طرده من أرض الجزائر ، لذلك اهتمّ به اهتماما عظيمًا و أولاه كل عنايته و وقته و مَلَكاته ، حتى وصفه الأستاذ أنور الجندي رحمه الله بقوله:"و هو الذي ينشيء المدارس و المعاهد في طول البلاد و عرضها ثم هو الذي يمضي يومه كاملًا في حلقة الدرس يفتتح الدروس بعد صلاة الصبح حتى ساعة الزوال بعد الظهيرة ، و من بعد المغرب إلى صلاة العشاء ."