كيف يسود الجهل ويستوطن بين ظهرانينا على الرغم من أن أول آية نزلت في القرآن على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت أمرًا بالقراءة والكتابة وتعظيمًا لأدواتها، كما قال سبحانه: ? اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ? [العلق:1-5] .
ويرفع الله شأن العلم والعلماء في آيات كثيرة كقوله: ? ... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ? [الزمر:9] ، وقال: ? يرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ... ? [المجادلة:11] . وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله تحث على العلم وتحصيله ونشره فقال - صلى الله عليه وسلم -:"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة"، وقال:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، وقال:"إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير". وكان - صلى الله عليه وسلم - يفدي الأسير من أسرى بدر بتعليمه عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.
ولقد نهض المسلمون بالعلم والتعليم وأقاموا صروحه منذ بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وسار على ذلك، فلم يأتِِ القرن التالي إلا وقد انتشر العلم في جميع أجزاء الدولة الإسلامية المترامية الأطراف والممتدة من بخارى وسمرقند شرقًا إلى الأندلس غربًا، ولقد أقاموا نظامًا علميًا وتربويًا فريدًا ابتداءً من الكتاتيب ثم المساجد والمدارس ، إلى حلقات العلم ودوره وبيوت الحكمة والمكتبات والجامعات التي كانت مرتبطة بحرم المسجد مثل جامع الزيتونة والقيروان والأزهر وغيرها وهي أول نماذج للجامعات عرفتها البشرية.
ولقد بلغ اهتمام المسلمين بالعلم والعلماء أنهم كانوا يوقفون الأوقاف الضخمة من الضياع والعقارات وغيرها لصرف ريعها على أهل العلم وطلابه وهم بذلك يتقربون إلى الله ويتعبدون بنشر العلم وتكريم أهله.
وعلى الرغم من هذا التاريخ الإسلامي المجيد في محاربة الجهل والقضاء على الأمية بنوعيها، أمية القراءة والكتابة وأمية الإيمان والعقيدة والدين، فإننا نجد أحفاد المسلمين العظام اليوم يتراجعون عن دورهم القيادي في الحياة هداة مهتدين ويتوارون عن مسؤولياتهم الكبيرة في حمل رسالة الإسلام إلى البشرية كافة ، ويتهاوون في ظلمات الجهل وإهمال التعلم حتى وصلت بهم نسبة الأمية إلى هذا الحد المخيف الذي نراه ونشاهده. هذا الواقع المحزن للعالم الإسلامي لابد من العمل على تغييره وإصلاح أوضاعه ، وتقع مسؤولية ذلك على القيادات السياسية والفكرية في العالم الإسلامي وفي مقدمتهم أهل العلم والفكر فعليهم جميعًا أن يبادروا بوضع الخطط والبرامج وبذل الجهود في تنفيذها من أجل القضاء على الأمية بشقيها وبذلك يستطيعون أن يعالجوا قضية الجهل والتخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي إذ من المستحيل قيام أي تقدم علمي وتقني في ظل الواقع الحالي الذي يتميز بالظلم والاستبداد السياسي فإن ذلك من أبرز أسباب جهل الأمة وتخلفها في كل المجالات . إن إصلاح أوضاع التعليم وإتقانه ودعمه بالكفاءات المؤهلة والمدربة والتي تتمتع بالقوة والدين والأمانة هو مفتاح التغيير، وتنشئة الأجيال على الدين والعلم والإيمان ينعقد الأمل بعد الله في نهضة الأمة ورفعتها وتقدمها، هذا هو الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الأمة وتناضل وتكافح من أجله بكل فئاتها وقواها، وأن تتحد في سبيل القيام بذلك وتسير عليه تحقيقًا لقوله عز وجل: ? وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ? [الأنعام:153] .