وغير ذلك من الآيات القرآنية المعبرة عن تسخير الله تعالى مصادر الطبيعة ونعمها للإنسان، لكن لاستخدامها استخداما سليما خلوا من التعدي والتجاوز، والاستنفاع بها استنفاعا معتدلا خلوا من التبذير والإسراف، وإلا انقلبت هذه الطبيعة عليه، كما ينقلب السحر على صاحبه، خصوصا إذا ما استخدمها استخداما منحرفا، محفوفا بالضرر والاستنزاف والاستهلاك العشوائي، الذي يهدر موارد الطبيعة التي لا تتجدد أو أنها تتجدد بعد أمد طويل، مما يخل بالتوازن الطبيعي، فتترتب عن ذلك شتى المعضلات المستعصية والكوارث القاتلة والظواهر المبهمة والأوباء الغريبة، من مثل ثقب الأوزون، وارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، والبراكين والزلازل وغير ذلك، وكأن الطبيعة تعبر بهذه الظواهر المشاهدة عن تألمها العميق وغضبها الدفين مما يلحق بها من إهدار وإهلاك.
بين الهولوكست اليهودي وإبادة المسلمين ومادام الإنسان يعتبر محور قصة الحياة التي تجري فصولها على خشبة الطبيعة، فإننا ارتأينا أن نتطرق في هذه الورقة إلى الإبادة التي تعرض إليها المسلمون عبر مراحل التاريخ، ونحن نستحضر أحداث المحرقات الألمانية التي تم أثناءها التنكيل باليهود، وهي معروفة بالهولوكست (Holocausts) ، فعرف الصهاينة كيف يوظفون عبر التاريخ المعاصر تلك الأحداث لصالحهم، فينجحون في استقطاب العطف العالمي، بمختلف وسائل السياسة والدعاية، التي جعلت مما أصابهم على يد النازية في أواخر النصف الأول من القرن الماضي، يرقى إلى أن يكون أسطورة يهودية جديدة، تنضاف إلى أساطيرهم القديمة !
وهذا لا يعني أننا نشكك فيما تعرض إليه اليهود من تحريق وتقتيل ومحق من قبل هتلر، وإنما نشكك في جملة من المعلومات والأرقام التي دعموا بها هذا الحدث التاريخي، وذلك استنادا إلى معطيات وتفسيرات أكثر من مؤرخ ومفكر غربي، ففيما يتعلق بالأعداد التي تم قتلها وتحريقها، التي يدعي اليهود أنها تقدر بحوالي ستة ملايين، وهو رقم جد مبالغ فيه، خصوصا وأن العدد الإجمالي لليهود الذين كانوا آنذاك يستوطنون ألمانيا والدول الأوروبية التي احتلتها، كان يربو بقليل على ثلاثة ملايين، وهذا المعطى ورد في الكتاب اليهودي السنوي: (572) ؛ فمن أين جاء الرقم ستة ؟!
ثم إن هناك أكثر من مصدر غربي يشير إلى أن عدد اليهود الذين تمت تصفيتهم في المحرقات الألمانية يحدد في المليون وربع مليون قتيل، كما جاء في كتاب (القضاء على يهود أوروبا) لكاتبه رؤول هلبرج، أو في أقل من المليون كما ذكر معهد التاريخ بباريس .
ثم إن هذا العدد من الضحايا المتراوح بين ما يقل عن المليون أو يزيد عليه، لا يشكل إلا نسبة جد ضئيلة (5%) بالنظر إلى ضخامة ضحايا الحرب العالمية، الذين يقدرون بالخمسين مليون قتيل، كما أن ثمة نسبة لا يستهان بها من ضحايا اليهود، كانت نتيجة المجاعة التي عمت، في العشرية الثالثة من القرن الماضي أغلب بقاع العالم، غير أن اليهود استطاعوا، بخداعهم المعروف، ودهائهم الخبيث، أن يوظفوا تلك الأحداث لصالح أغراضهم السياسية والأيديولوجية، فيتمكنوا بعد مدة وجيزة من تاريخ تلك المحرقات من أن ينالوا وطنا، بمباركة من الغرب الاستعماري، ومعاضدة من مختلف الدول الغربية، كمكافأة سمينة على ما ألحقه بهم هتلر من محق وإبادة!
كذلك لم نستحضر هذه اللمحات التاريخية المتداولة في أدبيات التاريخ اليهودي المعاصر، إلا لنؤكد أن اليهود عرفوا كيف يضخمون حدثا تاريخيا عاديا، نقول إنه عادي، لأن ذلك كان متزامنا مع استعمار مئات الشعوب، ومنها الشعوب العربية والإسلامية، التي كانت تقتل بالملايين، فوظفوه بأسلوب ذكي، في حين سكتت الشعوب الأخرى وهي راضية بالاستقلال النسبي والمشروط !
وفيما يرتبط بالحالة العربية والإسلامية، جدير بنا أن نذكر أن شعوبنا تعرضت لأضعاف مضاعفة مما أصاب اليهود في ألمانيا، وثمة معطيات تاريخية تقدر بالأرقام ضحايا الإبادات و (الهولوكسات) التي تعرض إليها المسلمون عبر مختلف مراحل التاريخ، لكن لم يعرفوا كيف يوظفونها، ليس بالتسول لدى المحافل الدولية والاستعطاف وطلب الشفقة، وإنما بوضع الغرب المتغطرس أمام أخطائه الرهيبة التي لا تغتفر، والتي يتحتم عليه أن يكفر عنها، بالتعويض المادي والمعنوي، أو بالقوة والعقاب .
وهذه بعض التقديرات المنشورة في عدد من المصادر الرقمية، حول ضحايا المسلمين أثناء مختلف الأحداث التاريخية:
-إبادة أكثر من نصف مليون مسلم على يد المسيحيين أثناء مختلف الحملات الصليبية، التي امتدت بين القرن 11 الميلادي والقرن 15.
-مقتل أكثر من مليون مسلم على يد المغول، الذين سيطروا على بغداد سنة 656هـ، ونكلوا بالمسلمين شر تنكيل، حتى تلونت مياه دجلة والفرات بلون الدم، كما يذكر المؤرخون.
-مئات الآلاف من المسلمين منهم من تمت تصفيته، ومنهم من أجبر على تغيير ديانته، ومنهم من تم استصدار ممتلكاته ونفيه، وذلك أثناء سقوط الأندلس، بسقوط غرناطة سنة 897 هـ .