وضوح المنهج سبب في صحة العبادة:
فوضوح المنهج وبيانه , له أعظم الأثر على صحة العبادة , وعلى صحة سير العبد إلى ربه ومولاه , فكم من أقوام قد اجتهدوا في العبادة , وأظهروا الطاعة ؛ فلما أخطئوا الطريق كانت عباداتهم هباءً منثورا .
قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) } [ سورة الفرقان: 23 ]
فربما يكون العبد عنده من العبادة , أو مدعيا للاستقامة , ولكن المنهج والطريق غير واضح , فوقع في شعبة من شعاب أهل البدع فهلك , ولذلك فالمنهاج يكون بالاستقامة على عقيدة أهل السنة وملازمة منهجهم ؛ مع الحذر من طرق أهل الهلكة , ويكون ذلك ملازما له إلى آخر الطريق .
فمهما حاول العبد أن يطرق بابا من الأبواب , أو أن يسير في درب من الدروب , بلا منهج واضح فلن يصل إلى الحق .
فهؤلاء الخوارج رغم كثرة صلاتهم وصيامهم , لما جهلوا المنهج وحادوا عن سبيل أهل السنة كانوا من أهل الضلالة .
عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ , وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ , يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ , يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ , يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ , ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ , ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ وَهُوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ , ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ , قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَ الدَّمَ , آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ , وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ , قَالَ: أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ . (5 )
فهؤلاء أهل عبادة وجهد واستقامة , كانوا يسموا بالقراء لشدة اجتهادهم وملازمتهم له , ورغم ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ"ورغم ما جدوا فيه من الصلاة والصيام إلا أنهم"يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ".
وهذا عمرو بن عبيد كان من أشهر عباد المدينة , قال سفيان بن عيينة: كان عمرو بن عبيد يصلي الصبح بوضوء العتمة بمكة . ( 6)
ورغم ذلك كان منحرفا عن الطريق فقد كان معتزليا وقدريا. (7 )
فالطرق كثيرة , والشعاب متفرقة , و الأكثرون يلقون بأنفسهم في طرق الهلكة , فماذا يجب عليك حتى تتحقق من خطورة الأمر ؟ وتبحث عن طوق النجاة ؟! وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة , ستسير في طرق الهلكة ؛ ولن ينجو منها إلا واحدة كما بينا سابقا , ومن لم يهتم ببداية الطريق فلن يصل إلى النهاية .
فبهذا يتبين بوضوح وجلاء وجوب معرفة الحق , وأن تقول لنفسك لا أذوق غمضا حتى أصل إليه .
قال بشار: قال لي يوسف بن أسباط: تعلموا صحة العمل من سقمه , فإني تعلمته في اثنين وعشرين سنة . ( 8)
وقال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة , وقف حيث وقف القوم , وقل بما قالوا , وكفَّ عما كفوا عنه , واسلك سبيل سلفك الصالح , فإنه يسعك ما وسعهم ولا يستقيم الإيمان إلا بالقول ؛ ولا يستقيم القول إلا بالعمل , ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية موافقة للسنة , وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل , وإنما العمل من الإيمان , والإيمان من العمل , وإنما الإيمان اسم جامع كما يجمع هذه الأديان اسمها , ويصدقه العمل , فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق ذلك بعمله , فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها , ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه , وكان في الآخرة من الخاسرين . ( 9)
وقد خشي النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار لما رأى من إيثارهم فبين لهم الطريق حتى يكون واضحا بلا لبس أو غموض .
فعن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ , فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: حَتَّى تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا , قَالَ: سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي . ( 10)