فهرس الكتاب

الصفحة 24867 من 27345

تأمل معي هذا الحديث ! لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم محبة الأنصار لإخوانهم من المهاجرين , وتعلقهم بهم , حتى أنهم لا يأخذون شيئا إلا وطلبوا مثله لإخوانهم من المهاجرين , فخاف عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرموا بعض الحق فيصرفهم عن الطريق , فحدد لهم المنهج الذي يعاملون به الناس في أمر الإيثار , حتى يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة , وهم على الطريق .

وضوح المنهج سبب في الثبات على الطريق:

فَمِنْ نعم الله أن الطائفة الباقية على الحق ثابتة هي أهل السنة والجماعة , فإن الفرق تظهر , وتخبوا تنتشر , و تتقلص , وتذوب , وتنقطع , أما أهل السنة فإنهم على الطريق خلف نبيهم سائرون , قد وضح لهم الطريق وبانت أعلامه , فإذا وضح الطريق كان القذف في النار أحب إلى العبد من الكفر .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا , وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ , وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ . ( 11)

قال البيهقي رحمه الله (12 ) .:

فأبان بهذا الخبر أن الشح بالدين من الإيمان لأن ذكر الحلاوة مثل الإيمان , وأراد أن الشحيحَ بدينهِ كالمتطعم بالشيء الحلو , فكما أن الراغب في الإيمانِ لا يسلم له مقصوده منه إلا وأن يكون شحيحا به , فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت بما يفسده عليه , كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه - والله أعلم - .

وتأمل حال الأنبياء , وهم يتعرضون لفتن تتزلزل لها الجبال , ولكنهم تخطوا جميع الصعاب , وجازوا كل المفاوز حتى عبروا الطريق .

فهذا نوح عليه السلام , يلقى من قومه الصدود والإعراض , وهو لا يعبأ بخلافهم له بل يمضي إلى ربه بلا التفات .

قال تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) } [سورة هود: 38-39]

وهذا هود عليه السلام , يحرم الرفيق , ويسير في دربه وحيدًا , والقوم يصارعونه , وهو صامد لا يلين ولا يعبأ بتهديدهم , بل يتحداهم بجمعهم وقوتهم إن يلحقوا به أذى فعجزوا .

قال تعالى: { قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) } [سورة هود: 54-56]

وهذا إبراهيم عليه السلام , يتحدى قومه بالحجة والبيان وبالدليل والبرهان , ولم تكسر له شوكة أو تلين له شكيمة .

قال تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } [سورة الأنعام: 80-82]

بل حطم أصنامهم , سفه أحلامهم , وأظهر جهلهم وغباءهم , حتى القوه في النار وأنجاه الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت