قال تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) } [سورة الأنبياء: 60-71]
ويخرج مهاجرًا وحيدًا غريبًا معهُ رفيقة درب وهو زوجته سارة , فيذهبُ إلى بيت المقدس , وما تبعه على الطريق إلا لوط عليه السلام , ومن هنا يظهر قيمة الأجر كلما وعر الطريق كلما عظم أجر الرفيق , فلما آمن لوط أعلى الله قدره وصيره نبيا .
قال تعالى: { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (27) } [سورة العنكبوت: 26-27]
وكذلك الحال مع موسى عليه السلام, لما اشتد الخطب , وعظم الأمر , وقل المعين فلما تبعه هارون جعله الله نبيا .
قال تعالى: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) } [سورة القصص: 35]
ولما خرج موسى وهارون مع ذرية من بني إسرائيل أنجاه الله من القوم الظالمين .
قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) } [سورة الشعراء: 61-62]
وهذا شعيب , يهدده قومه بإخراجه , وطرده من بين أهله وعشيرته , وهو لا يعبأ بهم .
قال تعالى: {قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) } [سورة الأعراف: 88-89]
قال البيهقي ( 13) :
فإن في هذا الباب عدة معان مرجعها كلها إلى الشح بالدين , أحدها: أن شعيبًا عليه السلام سمى مهانته المستكبرين من قومه نجاة , وقد علم أن ضد النجاة الهلكة , ومن كان عنده أن الكفر هلكة و الإيمان نجاة لم يكن إلا شحيحا على دينه .
والثاني: أنه أشار بقوله على الله توكلنا ؛ إلا أنه قد فوض أمره إلى الله تعالى , فإن عصمه من الجلاءِ عنْ الوطنِ فذلك فضله , و إن جلاءهم و ما يهمون به من إخراجهم بالجلاءِ , أحب إليه من مفارقة الدين , وهذا من الشح بالدين لأن الله تعالى جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل , و الثالث: أن شعيبا عليه السلام فرغ إلى الله , و استنصره , و دعاه كما يدعو في الشدائد إذا عرضت له , و الخطوب إذا نزلت , فقال: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق , استعظامًا منه لما كان يخاطب به , وتأملا أن يدافع الله عنه أذية الكفار , فلا يسمعوه في دينه ما يشق عليه سماعه , وهذا أيضًا من الشحِ بالدين , و معلوم أن الله تعالى يقيض علينا هذا ومثله لتتأدب بآداب الذين يصف لنا سيرهم ثم يمنعها , و بيان مذاهب الذين يصف لنا طرائقهم ثم يدعها و يتبع الأحسن من الوجهين دون الأقبح منها , لذا قال عز وجل: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ؛ الآية , فصح أن الشح بالدين من أركانِ الدين , لا يجد حلاوة الدين من لا يجد الشح به في قلبهِ . . والله أعلم .