فهرس الكتاب

الصفحة 24869 من 27345

وهذا هو الأمر الذي يشهد العقل بصحته , لأن من اعتقد دينًا ثم لم يكن في نهايةِ الشح به و الإشفاق عليه , كان ذلك دلالة على أنه لا يعرف قدره و لا يبن موضع الحظ لنفسهِ فيه ومن كان الحقَ عندهُ حقيرًا لم يسكنْ الحق قلبهِ وبالله العصمة .

ثم إن الشح بالدين ينقسم قسمين أحدهما: الشح بأصله كيلا يذهب , و الآخر: الشح بكماله كيلا ينقص , ألا ترى أن الله تعالى كما مدح شعيبًا عليه السلام وأثنى عليه بأنه شح على دينهِ فلم يفارقهُ مع استكراهِ قومهٌ إياه على مفارقته , وكذلك قد مدح يوسُف عليه السلام بأن استعصمَ حين راودتهُ امرأة العزيز عنْ نفسهِ , وقال: ربِ السجنُ أَحبُ إلي مما يدعونني إليه , فَبَان أن الشحَ على شعبِ الإيمان كيلا ينقص كالشح على أصله كيلا يذهب , وهذا سبيل كل مفتون به , لأن الشحيحَ بماله كما شح بجماعته فشح بابعاضه الشحيح بنفسه يشح بأطرافه , كما يشح بحملهِ مدة و هكذا الدين . . وبالله التوفيق .

ومن الشحِ على الدينِ أن المؤمنَ إذا كان بين قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم ويخشى أن يفتنوه عن دينه وكان إذا قاربهم يجد لنفسه مأمنا يتبوأه , و يكون فيه أحسن حالا منه بين هؤلاء , لم يقم بين ظهرانيهم وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له و أوفق , قال الله تعالى: ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله و رسولهُ ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله , وعلى هذا الوجه كانت هجرة أصحاب رسول الله ? , من ديار الكفار , وليلقوه , و يصحبوه , و يهاجروا معه , ثم هذا الحكم فيمن لم يمكنه اظهار دينهِ في موضعهِ باق بعده , و قد تكلمنا على هذه المسألة في كتاب السير من كتابِ السنن وروينا في كتابِ دلائل النبوة ما قاسى أصحاب رسول الله ? من الشدائد والمكاره لمحاورة الكفار حتى أمروا بالهجرة إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة و الله تعالى يوفقنا لمتابعة سلفنا , فنعم السلف كانوا لنا رضي الله عنهم . أهـ

وهذا يوسف عليه السلام , كيف يختار فتنة السجنِ على الوقوع في فتنةِ امرأة العزيز كما قال تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ (33) } [سورة يوسف: 33]

فكل من خشي الفتنةُ على دينهِ في مكان شرع له الهجرة إلى مكان آخر يقيم فيه دينه و لو أقل فتنة .

قال تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) } [سورة النساء: 100]

ومن سدت أمامه الأبواب , وحارت بعقله الفتن , وجب عليه الصبر مع إظهار دينه حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا .

عَنْ خَبَّابٍ , قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ , قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْتُ: لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ , ثُمَّ تُبْعَثَ , قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ , فَنَزَلَتْ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا . ( 14)

وهذا بخلاف من يتقلبُ مع الأيامِ ويتلون مع الزمان إن وافقَ الحق هواه قبل وإن خالفهُ حاد عنهُ وسخط ؛ كحال من يستخفونَ من الناسِ ولا يستخفون من الله .

قال تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) } [سورة العنكبوت: 10]

ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم المثل في الصبر والتحمل والجهر بالحق وتبليغ أمر الله دون أن يداهن في أمر الله أحد , وهو يمضي إلى ربه صابرًا محتسبًا لا يعيقه شيء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت