فهرس الكتاب

الصفحة 24885 من 27345

ألا فليعلم كل مسلم أن لو استلزم الأمر التضحية بكل سامري، وخسارة كل عابد عجل في مقابل تحقيق أمن العقيدة ألا فليكن، ألا ولبئس الجماعة التي تحتضن شاكلة السامري وأتباعه بل أي معنى يبقى للجماعة إذا كان مدار تأليف القلوب الإقرار بالشرك بالله، أو السكوت عليه على أقل تقدير.

ثانيًا: المداراة مشروعة لدفع الضرر ودرء المفسدة فتقدر بقدرها: وهذا من أبجديات فقه السياسة الشرعية، ولتعلم أن الضابط في مشروعية المداراة: غياب شوكة أهل الحق، وأن الضابط في حد المداراة ومداه: ما يندفع به الأذى والضرر عن جماعة المسلمين فحسب.

فتنبه لهذا فإنه دقيق جدًا، وبالغفلة عنه ينجرف البعض في تيارات المداهنة والتمييع والملاطفة ليصبح حاله حال من غصَّ فكاد يختنق فشرعت له شربة خمر متعينة لتذهب غصته فإذا به يسترسل في زجاجة الخمر سادرًا متمتعًا! والحاصل أنه لا يجوز أن يتحول الإذن بالمداراة المرتبط بالضرورة الملجئة إلى مجال تنازل عن شيء من الثوابت العقدية التي إنما فارق أهل البدعة أهلَ السنة بتركها .

ففرق بين أن تداري وتتألف قلوب فرقة ضالة، لها شوكة يُخشى أن يتضرر منها جماعة المسلمين، وبين أن نلغي هذه الأسس العقدية التي افترقنا عليها، ونعلن للناس أنه اختلاف بسيط لا يفسد للود قضية، وأن التقارب والتقريب بين الفريقين مشروع، بل مطلوب بحجة وحدة الصف، وحسبك مثالًا واضحًا اليوم ما تزل به أقدام العديد من حملة العلم المنتسبين إلى السنة من الإعلان بمشروعية ومندوبية - بل ربما وجوب - التقريب مع أهل الرفض، ولا أعني بأهل الرفض عوامهم بل منظريهم وعلماءهم وسادتهم ممن يعلمون حقيقة الفساد العقدي الذي يُضلون الخلق به.

وقريب من هذا المجال من يتمادى مع منظري وكبراء العلمانية بحجة وحدة الصف الوطني، ثم يتخذ من مشروعية المداراة ذريعة لذلك.

وغفل هؤلاء، أو ما دروا أن هذه المداراة ما شُرعت إلا حيث تعينت طريقًا للحفاظ على سلامة أهل السنة باعتبارهم حملة منهج الحق لا باعتبار ذواتهم وأشخاصهم، فمهما أفضت المداراة إلى تمييع منهج الحق، أو تضييع شيء من ثوابته؛ لم تعد مشروعةً البتة.

وهذا كله يعود إلى الأصل القرآني فيما أبيح للضرورة حيث قال تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [173] } [سورة البقرة] ، فمن تجاوز المدارة إلى المداهنة، فقد بغى، واعتدى، وخرج عن حد الإباحة قولًا واحدًا.

فمبدأ المداراة يقوم في الجملة على ترك الاستعداء، وترك الإعلان بالعداوة والبغض في الله لأعيانهم، وذوي الشوكة منهم لا لمناهجهم وأصولهم التي لا تنقطع مجاهدتها بالبيان الأولى بالأولى، ولا يقوم أبدًا على الاستخذاء، والاسترضاء لرءوس البدعة ودعاتها، إن المداراة في حقيقتها أقرب إلى التحييد المؤقت لهذه الفئة حتى يُتفرغ لمن هو أعظم خطرًا منها، وإن مشروعية المداراة والتألف مع هؤلاء يجب أن تقتصر على هذا التحييد ولا تتجاوزه إلى شيء من العلاقة الإيجابية، اللهم إلا ما دخل في جنس التعاون على البر والتقوى والمعروف مما لا شرط له كدفع صائل، ونصرة مظلوم، ونحو ذلك مما تتطلبه طبيعة المرحلة، وهذا وفق قاعدة ' للمسلمين نفعه وعليه وزره '.

ثالثًا: مداراة وتألُّف أهل البدع والافتراق ليست تقريرًا لهم على بدعتهم وضلالاتهم: إن استحضار هذا الأصل يقي من الانجراف وراء أوهام التقريب التي قد تكون أوقات الفتنة مروجةً لها؛ ولذا نؤكد على ما سبق في الأصل السابق، وهو أن مداراة هؤلاء لا يُقصد منها سوى دفع الضرر الأكبر عن المسلمين وعنهم، ولا يراد بها تقريرهم على بدعتهم البتة . فالتألف والمداراة دفع لأعظم الضررين بالنسبة لكل من أهل الحق وأهل البدعة، وإرجاء للتعامل الحاسم مع أهل البدعة إلى حين انطفاء نار الفتنة، وعودة الشوكة لأهل الحق .

رابعًا: إن مداراة أهل البدعة زمن الفتنة لا يعطل جهادهم بالبيان: فزمن الفتنة أدعى لانحسار السنة، وافتتان الناس بباطل التأويلات، وزيف البدع والضلالات؛ فكان الواجب المرابطة على ثغور السنة بالعلم والبيان والمحاجة العلمية بالدليل، فيجب على أهل العلم وحملته أن يجتهدوا ويشمروا في بيان معالم الحق، والكلام في كل ما يشكل على الناس من أصول دينهم، لا سيما ما له علاقة بطبيعة الفتنة الحاصلة كأن يدهمهم العدو، أو يشغر الزمان عن إمام، ونحو ذلك.

خامسًا: مراعاة الترتيب الشرعي، وسياق الحال في مكافحة البدعة:فمن البدعة ما هو مكفر، ومنها ما هو مفسق، ومن البدعة ما هو أقرب إلى الواقع العملي، ومنها ما هو أقرب إلى التأصيل العلمي النظري، ولا يصح في الأذهان الانشغال بما هو أقل ضررًا عما هو أشد ضررًا، ولا الانشغال بما هو نازلةٌ واقعة بما هو نظري تأصيلي يحتمل التأخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت