فهرس الكتاب

الصفحة 24886 من 27345

وهذا مأخوذ من أصول الشرع الدالة على وجوب الانشغال بالأهم كما صح في حديث بعث معاذ رضي الله عنه إلى أهل الكتاب حيث أمره صلى الله عليه وسلم بدعوتهم إلى التوحيد، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الزكاة كما هو معروف.

فعلى سبيل المثال: نجد اليوم إحياءً لمفهوم الإرجاء من زاوية خفية قاتلة هي زاوية تعطيل الولاء والبراء، والتدليس على الناس بمفهوم التسامح الديني المغلوط؛ إذ أن ترويج مفهوم الإرجاء يقدم قاعدة وأرضًا خصبة لبذر بذور تولي الكفار، وخذلان المؤمنين طالما أن إيمان أهل الإرجاء لا يختل بذلك، فمن المهم حينما ننكر على بدعة الإرجاء اليوم ألا ننحصر في سياقاتها التاريخية، وأعيان رجالاتها الذين أفضوا إلى ما قدموا، ولكن نبرز خطورة بدعة الإرجاء من خلال ثمرات الحنظل المرة المتمخضة في واقعنا اليوم .

فنبين للناس كيف أن دعوى سلامة الإيمان، وتحققه مع اجتماع النواقض العملية للإيمان؛ دعوى هدامة قد جرَّت على المسلمين الويل والثبور، فوطأت بلادهم بل وفرشهم أقدام العدو الكافر بتعاون خياني حقير من هؤلاء الذين لم يروا بأسًا في مد يد العون إلى كافر محارب، ولا في خذلان مسلم مقهور، وأخذوا يخدرون حس المسلم الذي آلمه ذلك كله بجرعات من الإيمان الإرجائي الذي لا يضر معه معصية، ولا كفر عملي طالما أن القلب يعرف لا إله إلا الله - بزعمهم - واللسان يتمتم بها دون وعي، ولا أثر عملي في حياة قائلها.

وقل مثل هذا في أصحاب بدعة العلمانية، والاعتزال، والرفض، والخروج: نعم إن لهذه البدع جذورًا تاريخية يهم العالم والباحث معرفتها ودراستها، ولكننا نتحدث عن نشر علم السنة بين أبناء المجتمع عوامه ومتعلميه وعلمائه، فينبغي الربط بالواقع ما أمكن، وتأصيل الجزئيات ما أمكن، وتخصيص النواحي العلمية التخصصية بأهل العلم المتخصصين ما أمكن.

فالناس لا يهمها كثيرًا أن تعرف الجعد بن درهم، ولا واصل بن عطاء، ولا القاضي عبد الجبار، ولكن يهمها أن تعرف رموز العلمانية وأذناب الاستعمار والاستشراق، وزنادقة العصر، وتعرف أن الذين يقتحمون بيوتهم، وينتهكون أعراضهم من الكفار المحاربين قد جاءوا بعون من هؤلاء على اختلاف وتفاوت في مقدار العون بين منظِّر وناعق بوق لأفكار الهدم والتضليل، وبين ماد يد العون العملية بفكر ووشاية وردء وتوجيه، وبين مشاركة حسية عملية عسكرية في مد يد العدوان الأثيم على حرمات المسلمين مع التستر بشتى أنواع التبرير والتضليل المنتسب إلى العلم والإسلام وفتاوى التدجين، فتأمل.

سادسًا: تحرير مناط استحلال السيف في رقاب المنتسبين للبدعة إن اضطر إليه:مهما قلنا عن ضرورة استفراغ الوسع في جهاد أهل البدعة بالبيان فإن سياق الفتنة قد يفرز واقعًا يتمحض فيه ضرر بعض المنتسبين إلى البدعة وخطرهم العظيم على أهل الإسلام بحيث يكون السكوت عنهم واحتمالهم في جسد المسلمين الواحد أشبه بالصبر على عضو مسموم في الجسد أخذ يبث ذيفاناته وخبثه في باقي الجسد، ويوشك أن يأتي عليه، وفي هذه الحالات المتعينة قد لا يكون أمام الجماعة المسلمة بدٌ من توجيه السنان وتسليط السيف حيث لم تنجع المداواة بالحجة، والقرآن، والسنة،

وهنا ينبغي التنبه إلى أمور:

منها: ضرورة عدم التوسع في هذا المسلك اتقاء الفتنة.

ومنها: ضرورة تحرير مناط استباحة دماء هؤلاء، وبيان ذلك بما لا يوهم أن سبب استباحة دمه مجرد انتسابه للبدعة، وليس الأمر بسبب الخجل، أو الخوف من الحكم الشرعي، وإنما الخوف من التعميم في الحكم، والتوسع فيه بدون مبرر شرعي .

ولنتذكر أننا نتحدث عن واقع الفتنة لا عن واقع الاستقرار وظهور الشوكة، فتلك حالة أخرى يتسنى فيها للإمام المسلم، أو موكله أن يقيم الحجة، ويحكم بالحكم الشرعي القضائي في هؤلاء، إن متأولين تائبين، أو أهل أهواء مصرين، أو زنادقة أو مرتدين.

فعلى سبيل المثال: إذا ظهر في واقع الفتنة أن بعض المنتسبين إلى البدعة يستحلون تقديم الردء والمظاهرة للكافر المحارب على المسلمين، وقرر أهل العلم والخبرة أن إراحة المسلمين من هؤلاء متعينة؛ فيجب أن يكون العذر الشرعي في استباحة دماء هؤلاء هذه المظاهرة والخيانة لله ولرسوله لا مجرد انتسابهم للبدعة، وهذا مهم جدًا لتقليل الهرج والفوضى في زمن الفتنة، وحتى لا يتهاون الناس في دماء معصومة، فتنبه لهذا كله فإنه دقيق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت