إن للسعادة ثمنًا، وإن للراحة ثمنًا، وإن للمجد والسلطان ثمنًا، وثمن هذه الدعوة دم زكي يهراق في سبيل الله من أجل تحقيق شرع الله ونظامه، وتثبيت معالم دينه على وجه البسيطة" (9) ."
الهوامش
(1) المستفاد من قصص القرآن، ج2، ص148.
(2) السيرة النبوية، ج2، ص108، 109.
(3) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، للدكتور محمد علي الصلابي، ص11، وعزاه المؤلف إلى التاريخ الإسلامي للحميدي 4-110.
(4) الدعوة: قواعد وأصول، جمعة أمين عبد العزيز، ص61، ط. دار الدعوة بالإسكندرية، ط2، 1409ه 1989م.
(5) السابق، ص58، 59.
(6) في ظلال القرآن، ج6، ص3968.
(7) فقه السيرة، محمد الغزالي ص120، 121، والحديث أخرجه أبو داود (2-278) (4-57) ، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم (2-612، 613) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(8) فقه السيرة، مرجع سابق، ص117، 118.
(9) السيرة النبوية، ص188، 189.
منهج النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة الشدائد (4 من 4) حسن الظن بالمؤمنين وعدم تمني لقاء العدو في هذه الحلقة (الأخيرة) ، نتناول الملمحين الأخيرين من ملامح منهج الرسول صلى الله عليه وسلم عند نزول الشدائد، وهما:
تاسعًا: الظن الحسن بالمؤمنين
في أوقات الأزمات والشدائد يعمد أعداء الإسلام إلى بث الشبهات، وإطلاق الشائعات سواء تعلقت بالإسلام ودعوته، أو بالمسلمين والدعاة. وقد حدث هذا الموقف مع النبي صلى الله عليه وسلم أثناء حادثة الإفك، يقول الله تعالى: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) (النور) .
ويلاحظ في الآية"أنه لم يقل: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا وقلتم:"هذا إفك مبين"، ولكنه عَدَلَ عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر؛ وذلك من أجل المبالغة في التوبيخ بطريقة الالتفات، وللتصريح بلفظ الإيمان، ليدل على أن الاشتراك فيه يقتضي ألا يُصدِّق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها قول غائب أو طاعن."
"وفيه تنبيه على أن المؤمن إذا سمع مقالة سوء في أخيه المؤمن أو في أخته المؤمنة، عليه أن يظن فيهما خيرًا ولا يشك السوء فيهما، وأن يقول بناءً على ظنه بالمؤمن أو المؤمنة الخير: هذا إفك مبين ، وهذا من الأدب الإسلامي الرفيع، الذي قلّ القائم به، والحافظ له، بل وقلَّ من يسمع مقالة السوء عن أخيه أو أخته فيسكت ولا يشيع ما سمعه" (1) .
وفي غزوة تبوك، لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلف عنه أقوام، كان من بين الذين تخلفوا قوم حبسهم العذر، فكان لابد من بيان ذلك حتى يتميز هؤلاء عن غيرهم ممن تخلفوا من دون عذر، ولئلا يُساء بهم الظن، ويصبحوا محل تهمة وشكوك، فقد جاء في عذرهم ما رفعهم إلى درجة المجاهدين المكافحين الصادقين، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد تركتم بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه: قالوا: يا رسول الله كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر" (2) .
وفي رواية البخاري:"إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر" (3) .
إن أعداء الإسلام يعمدون إلى اتهام الدعوة والدعاة بأي اتهامات باطلة غير مستساغة ولا مقبولة ولا معقولة؛ لأنهم لا يقيمون اتهاماتهم على أساس من الحق أو المنطق أو الواقع، إن قصدهم أن يقولوا السوء ويمضوا، ويأتي أنصار الشر ومحبو إشاعة الفاحشة فيكملون ما بدؤوه، فعلى الدعاة أن يواجهوا أمثال هذه الحيل، ويكونوا على فقه ووعي كاملين بهذا النهج والأسلوب، ومن ثم لا يقعوا في تأويل تصرفات إخوانهم من الدعاة تأويلًا سيئًا لا يليق بهم، ولا يتفق وكونهم دعاة إلى الإسلام.
وهناك ضوابط أربعة تحصن الدعاة من تلفيقات أعداء الدعوة:
الضابط الأول: الظن الحسن فيما يسمعه عن إخوانه: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين 12 .
الضابط الثاني: نفي هذا الظن بلسانه، والتصريح بهذا النفي؛ لأن المنكر الظاهر يُدفع بشيء ظاهر.
الضابط الثالث: ألا يتسرب شيء إلى نفس الداعية مما يخالف الظن الحسن، وإذا حصل شيء من ذلك في نفسه فلا يجوز أن يتكلم بهذا بل يردد بلسانه حتى يُسمع نفسه وغيره قوله تعالى: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم 16 .
الضابط الرابع: أن يبعد الداعي عن نفسه أي ميل أو محبة أو رغبة في إشاعة الفاحشة ونهش الأعراض، واتهام الغافلين المؤمنين، وليتذكر قوله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة (4) .
وأخيرًا، فالداعي يرى في مثل هذه التلفيقات جوانب خير ومصلحة، تتمثل في الأجر العميم وفي نصرة الله لهم وبتوعد أعداء الدعوة؛ وليتذكر الدعاة قول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل .