فهرس الكتاب

الصفحة 25012 من 27345

أصح هذه الأقوال فيما يظهر من حيث الدليل أن طهارته باقية دون حاجة إلى غسل القدمين ونُقل هذا القول عن جماعة من أهل العلم منهم الحسن البصري والنخعي وقتادة وعطاء وغيرهم واختاره ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية (1) وبعضهم قاس ذلك على من مسح رأسه ثم حلقه فإنه لا يجب عليه أن يعيد مسح رأسه . وهذا القياس ضعيف فلا ينظر إليه لأن الشعر أصل في الرأس وليس بدلًا وأما المسح على الخفين فإنه بدل عن غسل القدمين فلا يقاس ما كان أصلًا على ما كان بدلًا .

وقلت إن هذا القول هو الصحيح لأنه مذهب الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة فيما أعلم فنستغني به عن القياس الذي لم تتوفر شروطه وتنتف موانعه .

وقد روى البيهقي (2) والطحاوي (3) في شرح معاني الآثار واللفظ له"عن أبي ظبيان أنه رأى عليا رضي الله عنه - بال قائمًا ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلى"وهذا أثر صحيح .

وقوله"بال قائمًا"فيه رد على قول من قال إن عليًا توضأ على طهارة وفيه محل الشاهد أنه لا ينتقض وضوء الماسح على الخف أو الجورب وكذلك العمامة بالنزع .

فإن قيل أيعيدهما أعني الخفين أو الجوربين مرة أخرى ويبتدئ مدة المسح من جديد .

ويحصل بذلك تسلسل كلما أوشكت المدة أن تنقضي نزع خفيه أو جوربيه ثم أدخلهما ويصدق عليه أنه أدخلهما على طهارة قلت هذا ممنوع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال"دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" (4) والمقصود بالطهارة هنا الطهارة بالماء والذي ينزع خفيه ويريد إدخالهما مرة أخرى إنما يدخلهما على طهارة مسح و هذا لا يجوز لأنه لم يدخلهما على طهارة ماء والنص جاء بطهارة الماء ولم يرد بطهارة المسح ولذلك لا يجوز إعادة الخفين أو الجوربين والمسح عليهما منعًا للتسلسل الحاصل بالجواز ومنعًا لإلغاء المدة التي وقتها النبي - صلى الله عليه وسلم -للمقيم والمسافر لأنه لو أجيز إعادتهما والمسح عليهما - ولا قائل به (5) لم يكن لتوقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فائدة لأنه يلزم من القول بإعادتهما القول بابتداء مدة المسح من الإدخال ويحصل بذلك إلغاء للتوقيت ومخالفة صريحة لما سنه النبي - صلى الله عليه وسلم- لأمته ولو كان هذا جائزًا لأرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولما أمرهم بالنزع والله أعلم .

المسألة السادسة:

إذا مسح يومًا وليلة فما فوق ثم قدم بلده الذي يسكن فيه فلا يجوز له في هذه الحالة المسح على الخفين بل ينزعهما ثم يغسل قدميه لأن رخص السفر قد انتهت بالوصول إلى البلد فلا يجوز الزيادة عن اليوم والليلة في المسح كما هو قول جمهور العلماء (6) وإن وصل بلده وقد مضى دون يوم وليلة يتمهما .

وأما المقيم إذا مسح يومًا ثم سافر فإنه يمسح يومين زيادة على اليوم فيكون مسحُه ثلاثة أيام . وهذا الصحيح من أقوال أهل العلم وبه قال الأحناف (7) ورواية عن الإمام لأحمد رجحها كثير من أصحابه وجاء عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه رجع عن قوله (( يتم مسح مقيم ) )لأن رخص السفر قد حلت له والمسافر كما تقدم في حديث علي يمسح ثلاثة أيام إلا أن يخشى فوات رفقته أو يتضرر بالنزع لشدة برد ونحو ذلك من الأعذار فله أن يمسح أكثر من ثلاثة أيام لأثر عقبة بن عامر وقد تقدم ذكره في المسألة الأولى والله أعلم .

المسألة السابعة:

"إذا لبس جوربًا على جورب". فإن كان لبس ذلك على طهارة فالحكم في هذه الحالة للفوقاني وإن مسح على التحتاني صح ذلك على الصحيح .

(1) انظر صحيح البخاري ( 1/208) مع الفتح ) وفتح الباري ( 1/310) والأوسط لابن المنذر ( 1/459) واختيارات شيخ الإسلام للبعلي ص (15) والمحلى (1/337)

(3) 1/97) طبعة دار الكتب العلمية .

(4) الحديث متفق عليه من حديث المغيرة وقد تقدم ذكره .

(5) وأما ما رواه عبدالرازق في المصنف ( 1/210) من طريق فضيل بن عمرو عن إبراهيم أنه كان يحدث ثم يمسح على جرموقين له من لبود يمسح عليهما ثم ينزعهما وإذا قام إلى الصلاة لبسهما ويصلي .

فيقال عنه ليس في هذا الأثر ما يصلح لمعارضة الأصل ولا نقض الإجماع وقوله (( وإذا قام إلى الصلاة لبسهما ) )أي أنه لبس الجوربين على طهارة المسح ولم يأت بعد ذلك أنه أحدث ومسح عليهما فهذا فيصل المسألة وقد تقدم قول العلماء في ذلك وأنهم متفقون فيما أعلم أنه لا يمسح عليهما بل يجب خلع الخفين أو الجوربين وغسل القدمين والله أعلم .

(6) انظر مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبدالله (1/119-120) والأوسط (1/446) والمغني (1/296-297) والمجموع (1/489) .

(7) انظر شرح فتح القدير (1/154-155) والمغني ( 1/295) والمبدع في شرح المقنع (1/143) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت