وقال الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف في إجماع أهل السنة النبوية على تكفير المعطلة الجهمية (1/116) :"وليس كلُّ جهلٍ يكون عذرًا لصاحبه فهؤلاء جُهال المقلدين لأهل الكفر كفارٌ بإجماع الأمة، اللهم إلا من كان منهم عاجزًا عن بلوغ الحق ومعرفته لا يتمكن منه بحالٍ مع محبته له وإرادته وطلبه وعدم المرشد إليه أو من كان حديث عهدٍ بالإسلام أو من نشأ بباديةٍ بعيدةٍ فهذا الذي ذكر أهل العلم أنه معذورٌ؛ لأن الحجة لم تقم عليه، فلا يكفر الشخص المعين حتى يعْرِفَ وتقوم عليه الحجة بالبيان وأما التمويه والمغالطة من بعض هؤلاء بأنَّ شيخ الإسلام توقف في تكفير المعين الجاهل فهو من التلبيس والتمويه على خفافيش البصائر، فإنما المقصود به في مسائلَ مخصوصةٍ قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورًا كفرية، من ردِّ أدلة الكتاب والسنة المتواترة فيكون القول المتضمن لردِّ بعض النصوص كفرًا ولا يُحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع يمنع منه، كالجهلِ وعدم العلم بنفس النص أو بدلالته؛ فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ولذلك ذكرها في الكلام على بدع أهل الأهواء وقد نصَّ على هذا، فقال في تكفير أُناسٍ من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم الكفر، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجليَّة أو ما يُعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله". [قلت: ولم أجد قول شيخ الإسلام مع بالغِ التتبع، فلعله نقله بمعناه والله أعلم] .
ثم قال:"وهؤلاء الأغبياء أجملوا القضية وجعلوا كُلَّ جهلٍ عذرًا ولم يفصلوا وجعلوا المسائل الظاهرة الجليَّة وما يعلم من الدين بالضرورة كالمسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وكذلك من كان بين أظهر المسلمين كمن نشأ بباديةٍ بعيدةٍ أو كان حديث عهدٍ بالإسلام فضلوا وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل"ا. هـ.
العارض الرابع: الإكراه، قال - تعالى: (( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ ) ) (النحل: من الآية106) .
وحكم الأخذ به رخصة: كفعل عمار بن ياسر - رضي الله عنه - فقد أخرج الحاكم في مستدركه (3362) ، والبيهقي في الكبرى (16673) ، من طريق عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان عن هلال بن العلاء الرقي عن أبيه عن عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما وراءك؟"، قال: شر يا رسول الله، ما تُركتُ حتى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير. قال:"كيف تجد قلبك؟"قال: مطمئن بالإيمان. قال:"إنْ عادوا فعُدْ"، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وعدم الأخذ به عزيمة: كفعل عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، وهي كما رواها ابن الجوزي في كتابيه الثبات عند الممات (1/53) ، وفي المنتظم (4/320) ، بسنده إلى ابن عباس قال: أسرَتِ الروم عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له الطاغية: تنصَّر وإلا ألقيتك في النقرة النحاس، فقال: ما أفعل. فدعا بنقرة من نحاس فمُلئت زيتًا وأُغليت ودعا رجلًا من المسلمين فعرض عليه النصرانية فأبى فألقاه في النقرة فإذا عظامه تلوح، فقال لعبد الله ابن حذافة: تنصَّرْ وإلا ألقيتك، قال: ما أفعل، فأمر أن يُلقى في النقرة فكتفوه فبكى، فقالوا: قد جزع، قد بكى، قال: ردوه، فقال: لا تظنّن أني بكيت جزعًا؛ ولكن بكيت إذ ليس لي إلا نفسٌ واحدة يُفعل بها هذا في الله - عز وجل -، كنت أحب أن يكون لي أنفسٌ عدد كلَّ شعرةٍ فيَّ، ثم تُسلط عليَّ فتفعل بي هذا، قال: فأعجبه وأحبَّ أنْ يُطلقه، فقال: قبِّلْ رأسي وأُطلقك، قال: ما أفعل، قال: تنصَّر وأُزوجك ابنتي وأُقاسمك ملكي، قال: ما أفعل، قال: قبِّل رأسي وأُطلق معك ثمانين من المسلمين، قال: أما هذا فنعم، فقبل رأسه فأطلقه وثمانين معه. فلما قدموا على عمر قام إليه عمر فقبَّل رأسه، وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُمازحون عبد الله ويقولون: قبَلْتَ رأسَ عِلْجٍ.
وللإكراه شروطٌ لا يكون مانعًا بدون توفرها:
1-أنْ يكون المُكْرِهُ قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمُكْرَهُ عاجزٌ عن الدفع ولو بالفرار.
2-أنْ يغلب على ظن المُكْرَهِ أنه إذا امتنع أُوقِع به ما يُهدَّدُ به.
3-أنْ لا يظهر على المُكْرَهِ ما يدُّل على تماديه، بأن يعمل أو يتكلم زيادة على ما يمكن أنْ يدفع به البلاء.
4-أنْ يُظهِّر إسلامه متى ما زال عنه الإكراه.
5-أنْ يكون ما يُهدَّدُ به مما لا طاقة لا به، ويعبر عنه عند الأصوليين بـ (الإكراه الملجئ) كأن يُقطع منه عضوٌ.