كيف يتساوى المؤمن والكافر في ميزان الله ، وقد جاء الإسلام ليجتثّ الكفر من جذوره ، وليجفف مستنقعاته ، ولتقوم الدعوة الإسلامية ، والأمة المسلمة ، بهذه المسؤولية العظيمة .
وكذلك فرّق الإسلام في بعض الحقوق بين المسلم والذمي ، وجعل للذمي حقوقًا يرعاها الإسلام ويوفي بها ، على ضوء ما جاء في الكتاب والسنة . وكنا نتمنى أن تشير البيانات الوضعية السابقة إلى هذه الاختلافات ، وأن تجهر بها حقًا من عند الله لا نملك أن نخفيه ولا أن نعطله . إنها مرحلة من الضعف نمرّ بها لن تكون حجّة على الإسلام ، بل الإسلام حجّة على الجميع .
ولكن هذه النصوص التي وردت في البيان الصادر عن المجلس الإسلامي العالمي ، أو إعلان القاهرة ، يشعر القارئ أنها تتحاشى المجاهرة بنصوص إسلامية أُخرى واردة في الكتاب والسنة . ففي بيان القاهرة جاء التعبير:"العقيدة الصحيحة"كأنما هو وسيلة لتحاشي المجاهرة بكلمة الإسلام . فالإعلان الواضح الصريح أنه هو وحده العقيدة الصحيحة ، وأن الدين عند الله الإسلام ، وأنه من يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه ، وأنه في الآخرة من الخاسرين .
الدعاة مكلفون بتبليغ الإسلام كما نزل من عند الله ، لا يُكْتَم منه شيء ، ولا يُتنازَل منه عن شيء ، وإلا لا يكون التبليغ قد تم . إن هذا شرط رئيس لتبليغ رسالة الله إلى الناس ، وبهذا أمر الله رسوله:
(( يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك منالناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) ) [ المائدة: 67 ]
وقد لعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله من البيّنات والهُدى ، مشيرًا بذلك إلى ما فعله اليهود والنصارى:
(( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) ) [ البقرة: 159 ]
لذلك نرى أن الذين يقومون بأمر الدعوة والبلاغ في دين الله لا يملكون إلا أن يصدعوا بما أمرهم الله ، فيبلِّغوا رسالة الله كما أنزلت واضحة جلية .
(( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) ) [ الحجر: 94 ]
وإن التورية لن تفيد ، لا من حيث البلاغ ، ولا من حيث حقيقة المشركين . فالمشركون بينهم من يعرف الإسلام وتفاصيله ويدرسونه دون أن يؤمنوا به ، بل ليحاربوه . فإن وارينا أو كتمنا فإنهم يعلمون عندئذ أننا خائفون منهم أو منافقون لهم ، فنفقد هيبتنا في نفوسهم ، ونخسر عون الله ونصره .
أما بالنسبة لما ورد في نص وثيقة الاستقلال الأمريكي من أن الناس خلقوا جميعًا متساوين ، وأن الله منحهم حقوقًا غير قابلة للتبديل ، فإن الوثيقة لم تشمل ولم تشر إلى منهج متكامل يبيّن حقوق الإنسان كاملة ، ولا طبقت أمريكا هذا النصّ لا مع الهنود الحمر ، ولا مع السود ولا مع شعوب أخرى كثيرة سَحَقت فيها حقوق الإنسان .
ولقد جَرَّد الغرب كله الإنسان من كثير من حقوقه حين جرّدوا المرأة من حجابها وسترها ، وحين ألقوها في لهيب فتنة الجنس مع الشباب والرجال ، وحين حطموا الأسرة وجّردوا المرأة من حقوق الأمومة والزوجية ، وجرّدوا الزوج من سكن الحياة الزوجية وحقّه في القوامة ، وجرّدوا الأبناء من حقِّ رعاية الأبوة والأمومة . وحين جرّدوا الإنسان من سلامة فطرته التي فطره الله عليها ، ومن حمايتها .
ولا يختلف الوضع كثيرًا بالنسبة لوثيقة الثورة الفرنسية التي ارتكبت أقسى الجرائم الوحشية .
(2) د. محمد عماره ـ الإسلام وحقوق الإنسان ضرورات لا حقوق ( ص:13) .