لكن العقلانية الإسلامية التي نتحدث عنها عقلانية خَيِّرة. ذلك بأن الإسلام، هو الهدى المنزل من عند الله، يحدد الناس غاياتهم الكبرى ويمدهم بالموازين التي يزنون بها وسائلهم، ولا يترك الأمر كله لتقديراتهم وآرائهم وأهوائهم. كثيرًا ما يعبر العلماء عن غاية الإسلام الكبرى بقولهم إن الدين إنما جاء لتكميل المصالح وتقليل المفاسد. المصالح بمعناها الشرعي العام الذي يتضمن على وجه الخصوص مصالحهم الروحية. من ذلك مثلًا أنه في ظرفٍ أَمر المسلمين بأن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة ولا يحملوا السلاح حتى على من اضطهدهم، وفي مرة أذن لهم بمقاتلته، وفي أخرى أمرهم بقتاله دفاعًا عن أنفسهم، وفي ثالثة أمرهم بجهاد الطلب. رضي من أقوام الجزية ولم يرض من آخرين، عاهد أقوامًا ولم يعاهد آخرين. هَمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ذات مرة أن يتنازل للكفار عن بعض أموال المسلمين، وهكذا. إن الذي ينظر في هذه المواقف إذا سردت هكذا سردًا يظنها متناقضة متضاربة. لكنه إذا نظر في ظروفها وملابساتها علم أن وضع واحد منها موضع الآخر هو التناقض. نعم إن بعض الناس جعل الأمر بالقتال هو الأمر الناسخ لكل ما سبقه، نسخًا أبديًا يبطل أحكامها، ولا يُبقي للمسلمين خيارًا إلا القتال مهما كانت الأحوال والظروف. لكن هذا ليس بالرأي السديد. فكثيرًا ما سالم المسلمون وكثيرًا ما عاهدوا حتى بعد تمام الدين وموت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما أفتى لهم علماؤهم حتى بالتنازل عن بعض حقوقهم، وكان رائدهم في هذا كله تلك العقلانية الإسلامية التي تجعل الغاية من التصرفات تحقيق أكبر قدر من المنافع ودفع أكبر قدر من المفاسد بقدر المستطاع. إن الهدف الأعلى من كل هذه المعاملات إنما هو إعلاء كلمة الله تعالى. إن الهدف ليس تحقيق مصلحة لقوم معينين ولا لعرق معين، ولا لبلد أو أرض مُعَينة، وإن كان تحقيق المصالح الدنيوية داخلًا بالضرورة في المعاملات البشرية.
4.الموقف في الظروف الراهنة
لعلنا نستطيع -مهتدين بتلك القواعد- الإسلامية أن نلخص المواقف التي يجب علينا اتخاذها في ظروفنا هذه إزاء الحضارات الأخرى في أربعة واجبات: دعوتهم إلى الإسلام، وإعداد القوة لرد المعتدي منهم، والجنوح إلى السلام، وتبادل المنافع.
أولًا: الدعوة إلى الحق:
بما أن الهدف الأسمى للمسلمين إنما هو إعلاء كلمة الله، فإن أول واجب على أهل الحق نحو غيرهم هو دعوتهم إلى هذا الحق. إنه ما أن يدخل الإسلام قلب امرئ إلا ويجد نفسه مدفوعًا لدعوة الآخرين إليه، لأن هذه الدعوة هي جزء من دينه الذي يتقرب به إلى ربه. لكن الهداية عمل قلبي لا يمكن أن يجبر الإنسان عليه، ولذلك يقرر القرآن الكريم أنه:
(لا إكراه في الدين) [البقرة: 256]
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:
أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بَيِّن واضح دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول ليه، بل من هده الله للإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة. ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرهًا مقسورًا.
لذلك لا يستعمل في الهداية إلا الوسائل التي تجعل المدعو يقبل الحق بإرادة واختيار.
هذه الوسائل المناسبة هي تلك التي أجملتها الآية الكريمة الشهيرة:
(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل:125]
يدخل في الحكمة استعمال الأدلة والبراهين العلمية والعقلية. ويدخل في الموعظة الحسنة كل ما من شأنه أن يلين قلوب المدعو ويعطفه على قبول الحق. ويدخل في المجادلة بالتي هي أحسن حسن الاستماع إلى ما عند الآخر من أدلة، والاعتراف له بما يقرره من حق، وعدم إحراجه، وسوقه بلطف من الحقائق التي يُسلم بها إلى تلك التي ينكرها، وهكذا.
إن الدعوة نقيض الاعتزال؛ فكل من يهتم بدعوة الناس إلى حق أو باطل، إلى أمر ديني أو دنيوي، لابد أن يتصل بهم ويهتم بهم اهتمامًا يدعوه إلى دراسة تاريخ من يدعو من الأقوام، ومعرفة لغاتهم وثقافاتهم، وتقويم قدراتهم، وتقدير فضائلهم ومزاياهم، وهكذا. انظروا كيف تهتم الدول الكبرى في عصرنا بهذا كله لما لها من مصالح دنيوية فيه. فما دام الإسلام دين دعوة إلى الحق، كيف يكون دين اعتزال عن الخلق؟
مما يشجع المسلم على دعوة الآخرين والإحسان إليهم وعدم اليأس من هدايتهم، اعتقاده بأن الإنسان مخلوق خير في أصله، فكل ما فيه من خير هو مما فطره الله عليه في أصل خلقته، وكل ما فيه من شر فأمر عارض اكتسبه ببعده عن تلك الفطرة.
يقول الله تعالى: (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) [الشمس:7-10]
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة