فهرس الكتاب

الصفحة 25116 من 27345

تتمثل هذه الخيرية أساسًا في كون الإنسان خُلق ليكون عبدًا لله، وكون هذه الحقيقة مركوزة في فطرته، لا تتم إنسانيته ولا تكتمل سعادته إلا بتلبية مقتضياتها. لكن هذه الخيرية الجوهرية يتصل بها ويدور في فلكها كل ما في الإنسان من أنواع الخير الأخرى: عقلانيته، حسه الخلقي، ذوقه الجمالي، حرصه على ما ينفعه، أريحيته، وهكذا. فالإنسان في التصور الإسلامي ليس مادة هلامية تشكلها الظروف والثقافات، كما تقول بذلك بعض النظريات الغربية، ولا هو مفطور على الشر أو وارث له كما تدعي بعض تلك النظريات أيضًا؛ وإنما هو مخلوق ذو فطرة ثابتة لا تتغير

(فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) [الروم:30]

نعم إن واقع الإنسان الخارجي لا يكون دائمًا متسقًا مع جوهره الإنساني، لكن ذلك الجوهر يبقى كما هو، ويبقى معه الأمل في أن يعود الإنسان إليه مهما كانت انتماءاته وتصوراته الراهنة. وإذن فإن المسلم البصير بدينه، لا ينكر واقع الناس وتفرقهم ديانات وحضارات وشيعًا وأحزابًا، لكن بصره يظل يخترق هذه الحجب الواقعية، لينفذ إلى ما وراءها من حقيقة الناس الأصلية: إنهم عباد لله، فطرهم الله على معرفته وعبادته، وكل خير يدعون إليه. فدعوتهم إلى الخير وإن تعارضت مع ثقافة أو مصلحة طارئة يتعلقون بها، فهي متوافقة مع إنسانيتهم، وليست غريبة عنهم ولا مستوردة إليهم من مصدر غريب عليهم، وإنما هي مكبر لصوت الفطرة الذي يناديهم من داخل قلوبهم.

(فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الروم:30]

إن تأكيد الإسلام على ثبات الفطرة وخيريتها، يجعلها هي السابقة على الانتماءات الدينية والثقافية والحضارية. فليست الثقافات والحضارات هي التي تصنع فطرة الإنسان وتحدد سلوكه وطرائق تفكيره، كما تقول بذلك بعض النظريات الغربية، وإنما فطرته هي المعيار الذي يمكنه من الحكم على تلك الثقافات والحضارات. فما وافقها كان موافقًا للإنسان وسببًا لسعادته وما خالفها كان من أسباب شقائه؛ فهو مخير بين البقاء عليه أو الانفكاك عنه. فالانتماء الثقافي أو الحضاري ليس ضربة لازب، كما تُصوره تلك النظريات وتقسم الناس بسببه تقسيمات يحسبها الناظر في كلامهم تقسيمات طبيعية باقية ما بقي الليل والنهار والجبال والأنهار.

والدين الحق النازل من السماء على أنبياء الله جميعًا منذ نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم دين موافق لهذه الفطرة.

ثانيًا: إعداد القوة الرادعة:

إن الواجب على المسلمين في كل عصر أن يكون لهم من القوة ما يحقق لهم أمرين اثنين:

أولهما: إرهاب العدو حتى لا تحدثه نفسه بغزوهم أو الاعتداء عليهم بأي شكل من أشكال الاعتداء:

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) [الأنفال:60]

هذا الإرهاب هو المسمي في الاصطلاح الحديث بالردع deterrence لا terrorism

وثانيهما: عدم فتنة الكفار. لقد كان من دعاء إبراهيم عليه السلام وقومه:

(ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) [الممتحنة: 5]

وكان من دعاء موسى عليه السلام وقومه:

(ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) [يونس: 85]

قال ابن كثير:

أي لا تظفروهم بنا وتسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك.

ومن هنا كان إعداد القوة الرادعة أمرًا مكملًا للدعوة إلى الحق، لأنه بغير هذه القوة يكون الحال صادًا عما يدعو إليه المقال. إن واقع عالمنا يؤكد لنا أهمية هذا الذي يهدينا إليه كتاب ربنا. إن دول العالم تتسابق الآن كلها على اقتناء السلاح. منها ما يفعل ذلك بغرض الدفاع عن نفسه في حالة الاعتداء عليه، ومنهم من يفعل ذلك لمجرد الردع، ومنهم من يفعل ذلك لاكتساب المواقع الاستراتيجية ولنشر ما يؤمن به من مبادئ وقيم ونظم، حتى تكون هي المبادئ والقيم والنظم العالمية.

ولأن أرضنا أصبحت كالقرية الواحدة التي تتشابك مصالح الناس فيها تشابكًا كبيرًا لم تعد المنافسة على السيطرة فيها قاصرة على أجزاء محدودة منها بل صارت عليها كلها. لكن السيطرة العالمية هذه له تكاليفها الباهظة. خذ مثال الولايات المتحدة مرة ثالثة. يخبرنا الأستاذ ستيفن آمبروز صاحب كتاب النهوض إلى العالمية: سياسة أمريكا الخارجية منذ عام 1938: أنه بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت