نصف قرن من الحرب العالمية الثانية أصبح للولايات المتحدة جيش ضخم من القوات العاملة البرية والجوية والبحرية، وأن ميزانية وزراة الدفاع زادت عن 300 بليون دولار. وأنه أصبح للولايات المتحدة تحالفات عسكرية مع أكثر من خمسين أمة، وأن لها أكثر من مليون جندي من المشاة والطيارين والبحرية في أكثر من مائة قطر. وأن لها مقدرة هجومية كفيلة بأن تدمر العالم عدة مرات. وأنها استعملت قوتها العسكرية للتدخل في الهند الصينية، ولبنان، وجمهورية الدومينيكان، وجرانادا، وأمريكا الوسطى، والخليج، وأنها أعانت على غزو لكوبا، وأنه وزعت كميات كبيرة من الأسلحة على دول صديقة في العالم، وأنها خاضت حروبًا باهظة في كوريا وفيتنام. ولكن بالرغم من كل الأموال التي صُرفت على الأسلحة، ومهما كان بعد المدى الذي بسطت عليه أمريكا قوتها، فإن الأمن القومي لأمريكا ظل في خطر دائم. [8]
ثالثًا: الجنوح للسلم:
لكن إعداد القوة لتلك الأهداف التي ذكرناها يجب ألا يمنعنا من الجنوح المخلص للسلم ودعوة العالم كله إلى حل مشكلاته كلها بالتفاهم والعدل والقسط. إنه لا يمكن لإنسان عاقل يعرف ما لا يزال العالم ينتجه ويخزنه من أسلحة الدمار، ويعرف الأضرار البالغة الناتجة عن استعمالها، إلا أن يكون مع الداعين إلى تجنب الحروب، محلية كانت أو عالمية. لكن تجنب الحروب يقتضي تجنب أسبابها من كل أنواع الظلم والعدوان. هذا أمر لا تجدي فيه القرارات السياسية وحدها، بل ينبغي أن تتضافر الجهود لجعله جزءًا من ثقافة الناس وقناعاتهم التي يلتزم بها قادتهم ورؤساؤهم.
ونحن المسلمين أولى الناس بهذه الدعوة لتلك المصالح التي يشاركنا فيها غيرنا، ولسبب آخر خاص بنا، وهو أن السلم سيساعد بإذن الله على نشر هذا الحق الذي حبانا الله بمعرفته والإيمان به، وكلفنا بالدعوة إليه. كيف؟ إن أهم ما يميز عالمنا المعاصر هذا هو التوسع العظيم في العلوم الطبيعية. وقد كان لهذه العلوم جوانب ثلاثة: أحدها الحقائق التي اكتشفتها وجعلتها جزءًا من ثقافة الناس ومعارفهم، وثانيًا المنهج العقلاني الذي سلكه العلماء للوصول إلى تلك الحقائق، والذي صار أمرًا مسلمًا بصوابه عند عامة المثقفين. وثالثها التقنية التي بينيت على تلك الحقائق والتي جعلها الله سببًا لتيسير الحياة في كثير من جوانبها. لذلك كله أُولع الناس ولا سيما الغربيين منهم بهذا العلم أيما إيلاع حتى كانوا يظنونه إلى مطلع هذا القرن سيحل حتى المشكلات الخُلُقية والروحية، فيحل بذلك محل الدين. لكن هذه الثقة تزعزعت بعد الحرب العالمية الأولى، ثم بدأت تتضاءل كلما رأى الناس أن التطور العلمي لم يصحبه تطور خُلقي ولا روحي، بل واكبه تقهقر روحي وتدهور خُلقي. لهذا بدأ الناس في العالم كله يبحثون عن الدين مرة أخرى، حتى صار ما يُسمى بالأصولية ظاهرة عالمية، فما من أهل دين إلا وقد بدؤوا يرجعون إلى دينهم ينشدون فيه ما لم يجدوه في العلوم الطبيعية. لكن الناس -ولاسيما المثقفين منهم- لا يمكنهم أن يعودوا إلى الدين مخلفين وراءهم ذلك المنهج العلمي الذي زودتهم به تلك العلوم، ولا يمكنهم أن يمحوا من ذاكرتهم الحقائق التي أطلعتهم عليها. بيد أنهم إذا ما تزودوا بزاد المنهج العلمي وحملوا معهم حقائقه في عودتهم إلى دينهم واجهتهم مشكلة هي أن أديانهم تقوم على دعاوى لا برهان عليها، وعلى معتقدات لا اتساق فيها، وكلا الأمرين لا يقبله المنهج العقلاني الذي رسخته في أذهانهم العلوم الطبيعية. ثم وجدوا تلك الأديان تقرر مسائل أثبت هذا العلم بطلانها. لقد نتج عن هذه الرغبة في العودة إلى الدين مع البقاء على المنهج العلمي مجالًا جديدًا من الدراسات صار مقررًا في بعض الجامعات، أعني دراسة الصلة بين الدين والعلم التجريبي، ومحاولة التوفيق بينهما. إن لسان حال هؤلاء العقلاء من الدارسين يقول: أيا ليت لنا دينًا لا يأتي بمحالات العقول، ولا بما يكذبه الواقع المشهود، ويكون مع ذلك محققًا لما نرجوه من الدين من إشباع لأرواحنا واستقامة لأخلاقنا. وسيقول لهم المسلمون إن ما تمنيتموه عندنا فهاؤم اقرؤوا كتاب ربنا وسنة نبينا.
كلي أمل في أن يثوب كثير من الغربيين إلى الإسلام عن هذا الطريق كما يثوبون إليه عن طرق أخرى. ويوم ذاك لن تكون الحضارة الغربية حضارة نصرانية يهودية فحسب كما هي الآن، بل وإسلامية أيضًا. وإذا كان الدين هو أهم مكون للحضارة كما يقول هنتجتون فإن الشقة بين الحضارة الغربية والإسلامية ستضيق ويضيق بسببها احتمال الصدام.
رابعًا: تبادل المنافع: