فهرس الكتاب

الصفحة 25118 من 27345

إن التعايش السلمي بين أهل الأديان والحضارات كلها يُيسر عليهم تبادل المنافع المادية والفكرية، كما ييسر عليهم التعاون على حل المشكلات التي يبتلون بها جميعًا. إن ضمور العالم من حيث الاتصالات والمواصلات لم يخل من كثير من الآثار السيئة. فالأمراض تنتقل بسرعة من بلد إلى آخر، وتنتقل كذلك المخدرات والمجرمون، وأفلام الرذيلة والضلال. ثم هناك مشكلة تلوث البيئة وما نتج عنها من خرق لطبقة الأوزون، وما يُقال إنه سيترتب على ذلك من مشكلات على مستوى الكرة الأرضية كلها. كل هذه المصائب المشتركة تستدعي تعاونًا بين الناس في المجتمع الدولي.

لكن التعاون لا يقتصر على مواجهة هذه المصائب المشتركة، بل إن التعايش السلمي يساعد كل أمة على أن تتعاون مع من شاءت من الأمم التي ترى في تعاونها معها تحقيقًا لمصلحة الطرفين.

غير أنه من البديهي ان هذه الصورة المثالية للتعاون لن تتحقق إذا ظل أهل الحضارة الغربية على خوف دائم من أن تضعف أو تزول سيطرتهم، وعلى حرص دائم لذلك بأن لا يتطور غيرهم. إن هنتنجتن يرى أن الصدام القادم سيكون بين الحضارة الغربية من جهة والحضارتين الإسلامية والكنفشيوسية من جهة أخرى، أي أن الحضارتين الإسلامية والكنفشيوسية ستتعاونان على مواجهة الحضارة الغربية. لماذا تتعاون هاتان الحضارتان؟ ألأن الصلة بينهما أقوى من صلة كل منهما بالحضارة الغربية؟ إن هنتنجتن يُخبرنا بأن أهم مكون للحضارة هو الدين. فهل يقول إن الكنفشيوسية أقرب إلى الإسلام من النصرانية؟ ما أظن أحدًا يعرف الديانتين، ويعرف مكانة النصرانية واليهودية في الإسلام بالنسبة إلى غيرهما من الأديان، يمكن أن يقول هذا. وإذن فإن السبب الحقيقي لهذا التعاون إن حدث لن يكون نابعًا من طبيعة الحضارتين، بل من معاملة الحضارة الغربية لهما. أريد أن أقول إن الحضارة الغربية هي التي تدفع الآخرين لمعاداتها حين تعمل على الوقوف في طريق التطور الطبيعي لغيرها، وحين تعد كل ما عداها خطرًا عليها فتتحدث عن الغرب والآخر The West and the rest تمامًا كما كان بعضهم ولعله لا يزال يصف كل من ليس على دينه بالأميين ولا يرى أنه مُلزم في التعامل معهم بخلق ولا دين.

1 مقال صراع الحضارات، صامويل هنتجتون Samuel Hintington, Clash of Civilizations? Foreign Affairs, Summer 1993

[2] أنظر مثلًا: James Kurth, The Real Clash, The National Interest, No. 34, Fall 1994

[3] هذا هو رأي فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، الذي أثار جدلًا كثيرًا في الغرب حين صدوره.

[4] هنتجتون ص 39 ، مرجع سابق

[5] هنتجتون ص 46 ، مرجع سابق

[6] رواه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، في كتاب المظالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت