فهرس الكتاب

الصفحة 25130 من 27345

ويقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله عند هذه الآية:'... وسبب هذا النهي أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم، وإغراء بالتمادي فيه، وأكبره أنه رضاء به ومشاركة فيه. والمشاركة في الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه باختياره إلا منافق مراءٍ، أو كافر مجاهر. وفي التأويل لنصر المذاهب أو الآراء، مزلقة في البدع واتباع الأهواء، وفتنته أشد من فتنة الأول، فإن أكثر الذين يخوضون في الجدل والمراء من أهل البدع وغيرهم تغشهم أنفسهم بأنهم ينصرون الحق، ويخدمون الشرع، ويؤيدون الأئمة المهتدين، ويخذلون المبتدعين المضلين. ولذلك حذر السلف الصالحون من مجالسة أهل الأهواء أشد مما حذروا من مجالسة الكفار؛ إذ لا يخشى على المؤمن من فتنة الكافر ما يخشى عليه من فتنة المبتدع؛ لأنه يحذر من الأول على ضعف شبهته، ما لا يحذر من الثاني وهو يجيئه من مأمنه' [تفسير المنار، 7/ 506، 507] .

أما ما ورد في السُّنة من النهي عن سماع الباطل، والخوض في آيات الله عز وجل: فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: [بِهَذَا أُمِرْتُمْ أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِنَّمَا ضَلَّتْ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ فَاعْمَلُوا بِهِ وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] رواه ابن ماجة وأحمد واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد.

فهذا نبي الله صلى الله عليه وسلم غضب أشد الغضب وأمرهم بالكف، ولم يفتح لهم باب الحوار والمناظرة بحجة حرية الحوار والفكر!! لأنه صلى الله عليه وسلم رحيم بأمته يخاف عليهم مما يكون سببًا في زيغهم وانحرافهم.

وأما ما جاء عن السلف رضي الله عنهم من التشديد على أهل البدع وعدم السماع منهم، أو إعطائهم المجال لطرح أفكارهم وآرائهم: فالروايات في ذلك كثيرة ومن أشهرها:

موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من صبيغ بن عِسْل: فعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ وَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ فَجَعَلَ لَهُ ضَرْبًا حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي. رواه الدارمي واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد.

فهذا هو فعل عمر رضي الله عنه مع الخائضين في الباطل المتبعين للشبهات؛ حيث لم يمكِّنهم من قول الباطل بحجة النقاش الحر وحرية التفكير!!

وكان الحسن رحمه الله يقول:' لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم'.

وكان ابن طاووس جالسًا، فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم، فأدخل ابن طاووس أصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أيْ بنيَّ أدخل أصبعيك في أذنيك، واشدد لا تسمع من كلامه شيئًا. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف.

وأختم هذه المواقف بكتاب أرسله سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز إلى الشيخ العلاَّمة محب الدين الخطيب رحمهما الله ينبهه فيه سماحته حول ملحوظة وردت في مقال نشر في المجلة التي كان يصدرها محب الدين الخطيب. فإليك نصَّها:

'من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم العلاَّمة الشيخ محب الدين الخطيب رئيس تحرير مجلة الأزهر الغراء وفقه الله آمين..سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فقد اطلعت على الكلمة المنشورة في مجلتكم الغراء عدد ربيع ثانٍ سنة 76 صفحة 354 للشيخ محمد الطنيخي مدير عام الوعظ والإرشاد للجمهورية المصرية؛ حيث يقول في آخرها ما نصه:'قد علمت أن الإيمان عند جمهور المحققين هو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا التصديق هو مناط الأحكام الأخروية عند أكثرهم؛ لأنه هو المقصود من غير حاجة إلِى إقرار أو غيره؛ فمن صدق بقلبه، ولم يقر بلسانه، ولم يعمل بجوارحه كان مؤمنًا شرعًا عند الله تعالى ومقره الجنة إن شاء الله' انتهى.

فاستغربت صدور هذا الكلام، ونشره في مجلتكم الغراء الحافلة بالمقالات العلمية، والأدبية النافعة من جهتين:

إحداهما: صدوره من شخصية كبيرة تمثل الوعظ والإرشاد في بلاد واسعة الأرجاء كثيرة السكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت