فهرس الكتاب

الصفحة 25131 من 27345

والجهة الثانية: نشره في مجلتكم، وسكوتكم عن التعليق عليه، وهو كلام كما لا يخفى فيه تفريط وإفراط؛ تفريط في جانب الدين، ودعوة إلى الانسلاخ من شرائعه، وعدم التقيد بأحكامه، وإفراط في الإرجاء يظن صاحبه أنه على هدى، ويزعم أنه بمجرد التصديق قد بلغ الذروة في الإيمان، حتى قال بعضهم: إن إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر بناءً على هذا الأصل الفاسد، وهو أن الإيمان مجرد التصديق وأنه لا يتفاضل! ولا شك أن هذا خلاف ما دل عليه القرآن والسُّنَّة، وأجمع عليه سلف الأمة.

وقد كتبت في رد هذا الباطل كلمة مختصرة تصلكم بطيه، فأرجو نشرها في مجلتكم، وأرجو أن تلاحظوا ما ينشر في المجلة من المقالات التي يخشى من نشرها هدم الإسلام؛ فتريح الناس من شرها والرد عليها لأمرين:

أحدهما: أن نشر الباطل من غير تعليق عليه نوع من ترويجه والدعوة إليه.

والثاني: أنه قد يسمع الباطل من لا يسمع الرد عليه فيَغتَرُّ به، ويتَّبع قائله، وربما سمعها جميعًا فعشق الباطل وتمكن من قلبه، ولم يقوَ الردُّ على إزالة ذلك من قلبه؛ فيبقى الناشر للباطل شريكًا لقائله في إثم من ضل به....' [جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز ص 467] . وأقوال السلف ومواقفهم في هذا الشأن كثيرة ومعروفة.

فهل بعد كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومواقف سلفنا الصالح من كلام أو اجتهاد لمجتهد يرى فتح الباب لأهل الأهواء ليقولوا باطلهم بحرية، ثم يرد عليهم بعد ذلك من شاء؟!

ويا ليت أن الأمر اقتصر عندهم على سماع الباطل من مواقع أهل الفساد؛ إذن لكان الخطب أهون؛ ولكن المصيبة أن يفتح بعض الإسلاميين صحفهم ومجلاتهم، ومواقعهم، وبيوتهم ومنتدياتهم، ويدعون أهل الأهواء إليها ضيوفًا مكرمين. يتصدرون المجالس، والصفحات، ليقولوا فيها باطلهم، ويُعْطون من الوقت والكتابة ما لا يعطى لأهل الحق وأتباع السلف!!

إن فتح باب الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن لا تعني أن تفتح الأبواب مشرعة لكل فكر دخيل، ورأي سقيم يتطاول على عقيدة الأمة وثوابتها، ولا تعني التمكين له، والاحتفاء به، ونشره بين الخاصة والعامة، بل إن الواجب الشرعي يقتضي نصرة الحق، وردّ الباطل، وكشف زيوفه.

وعندما ننهى عن التمكين للعلمانيين والمبتدعة في منابرنا الإعلامية، فلا يعني هذا قمع المخالف والتسلط عليه-كما يزعم بعضهم- ، ولا أن أهل الحق أضعف من أن يقيموا الحجة، وأجبن من أن يناظروا غيرهم-كما يزعم آخرون-؛ ولكن لا بد أن تحفظ الأمة بسياج من العلم والتقى يحميانها من شبهات أهل الأهواء، وأحابيل أهل الزيغ والضلال.

ومناظرة العلمانيين ورءوس المبتدعة لها وسائلها العلمية التي تحقق المقصود بعيدًا عن فتنة العامة، وأنصاف المتعلمين الذين لا يقدرون هذه الأمور التقدير الصحيح، وصدق ابن مسعود رضي الله عنه بقوله:'مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً ' رواه مسلم.

وإنني أؤكد هنا أن الرأي الآخر الذي ينبغي أن تفتح له الأبواب، ويقدر أهله، هو الرأي الاجتهادي الذي يسوغ فيه الاختلاف عند علماء الأمة، وهو الرأي الذي يبنى على الدليل والبرهان، وينطلق من ثوابت الأمة، وقواعد الاستدلال العلمي، والحوار في هذه الدائرة هو الذي نص الأئمة على قبوله، وسعة الصدر عند وجوده، فما زال الأئمة يجتهدون ويخالف بعضهم بعضًا في مسائل عديدة، ويتحاورون محاورة علمية تثري العلوم وتحيي الملكات.

أما الرأي الآخر: الذي يتجاوز ثوابت الأمة، ويتمرد على أصولها وعقيدتها فحقه الهجر، ويجب الرد عليه وكشف انحرافاته. إن هذا الأمر خطير يجب الإقلاع عنه حتى لا يحمل فاعله وزر نفسه، ووزر من يضلهم بأقوال المبطلين بحجة:'الرأي والرأي الآخر!' و'حرية الفكر' كما زعموا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

من:' موقف السلف من نشر، أو سماع شبهات أهل البدع'

للشيخ/ عبد العزيز بن ناصر الجليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت