و ما أبلغ و أحكم قول معاذ بن جبل ( فيما رواه عنه أبو داود بإسنادٍ صحيح:( و أحذركم زيغة الحكيم ، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق ، قال الراوي: قلت لمعاذ: ما يدريني - رحمك الله - أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة ، و أن المنافق قد يقول كلمة الحق ؟ قال: بلى ، اجتنب من كلام الحكيم المشبهات التي يقال لها: ما هذه ، و لا يثنينك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع ، و تلقّ الحق إذا سمعته فإن على الحق نورًا ) .
فإذا تقرر هذا و بان الحق فيه ، ظهر لنا أن من زلات العلماء التي ينبغي الإعراض عنها ، مع إحسان الظن فيمن وقع فيها مجتهدًا ـ تقديم بعض العلماء أقوال أئمة المذاهب على سواها ، و إن ظهر لهم في خلافه الحقُّ بدليله من الكتاب أو السنّة الثابتة ـ و من أمثلة ذلك ما قاله بعض المالكيّة: ( لما قال مالك في رواية ابن القاسم في المدونة أكره القبض في الفريضة تركته ، و لو كان في الموطأ و الصحيحين الاقتصار على حديث الأمر به و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب ) .اهـ . [ فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك ] .
و مثل هذا القول في النكارة ما ينسب إلى الإمام السبكي الشافعي ، من قول: ( الحكم بخلاف الصحيح في المذهب مندرج في الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى ) .
و نحو هذا كثير في كلام متعصّبة المذاهب .
و هو ما لا نقرّه ، و لا نقول به ، بل يتعين علينا و نحن ننشد الحق ، و لا نتعصّب لأحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبرأ من كلّ ما خالف الشرع و نردّه على قائله ، و ننظر في حال من قال به ، و نرى قوله: ( إما زلة عالم و وهلة فاضل عاقل ; أو افتراء كاذب فاسق ) بحسب حاله ، كما قال الإمام ابن حزم الظاهري في معرض ردّه بعض الأقوال الفاسدة [ انظر: المحلى: 3 / 219 ] .
المقصد السادس
في بيان الواجب على العالم إذا بان خطؤه
البشر هم البشر ، لا عصمة لأحدٍ منهم بعدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل كلّهم خطاء ، و خير الخطّائين التوابون .
و قد نُدبنا إلى الرجوع عن الخطأ ، و التوبة من المعصية ، و لا فَرق في ذلك بين عامي و عالم ، أو أمير و مأمور ، أو كبير و صغير .
و مِن جملة الأخطاء التي يجب الرجوع عنها ما يقع فيه العالم من زلات في الفتيا و التأليف أو غير ذلك ، و حريٌّ به إن بان له الحق أن يرجع إليه ، و يعضَّ عليه بالنواجذ ، لينجو بنفسه ، و ينجو بنجاته الأتباع من بعده .
و له في ذلك أسوة حسنةٌ في نبيِّ الرحمة - صلى الله عليه وسلم - الذي ما ترك خيرًا إلا و أرشدنا إليه ، و لا شرًا إلا أخذ بحُجَزِنا فصرفنا عنه ، و حذَّرَنا منه ، و قد كان مدرسةً في اتباع الحقّ و الرجوع عمّا يخالفه .
فقد قعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و أبو بكر يبكيان بعد أن تبيّن لهما الحق في مسألة أسارى بدر ، خلافًا لما ذهبا إليه .
أخرج مسلم في صحيحه عن عمَر بن الخطّاب رضي الله عنه في قصّة أسارى بدر ـ و كانوا سبعين رجلًا من المشركين ـ أنّهم: ( لما أسروا الأسارى ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر ، و عمر:( ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟ ) فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم و العشيرة أرى أن تأخذ منهم فديةً ، فتكون لنا قوةً على الكفار ، فعسى الله أن يهديهم للإسلام . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ما ترى يا ابن الخطاب ؟ ) قلت: لا و الله يا رسول الله ، ما أرى الذي رأى أبو بكر ، و لكني أرى أن تُمكنا فنضرب أعناقهم ... فهَوِيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر ، و لم يهوَ ما قلتُ ، فلما كان من الغد جئتُ ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و أبو بكر قاعِدَين يبكيان ، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي ، أنت و صاحبك فإن وجدت بكاءً بكيتُ ، و إن لم أجد بكاءً تباكيتُ لبكائكما . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( أبكي للذي عَرض علي أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عُرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ، شجرة قريبة من نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، و أنزل الله عز و جل:( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ و اللهُ عَزيزٌ حَكِيمٌ ) [ الأنفال: 67 ] .
فما أروعه من مثَل ، و يالِحُسنِها من تربية !
نبيّ الرحمة ، و صدّيق هذه الأمّة ، يبكيان ، و يعلّمان الدعاة و العلماء ، أدبًا رفيعًا من آداب الدعاة ، في الرجوع إلى الحق ، و التمسك به .
و هكذا كان أصحابه رضوان الله عليهم من بعده ، يتلمسون سبل الهدى ، و ينصاعون إلى الحق ، و يعرضون عمّا يخالفه ، و لا يجد الواحد منهم غضاضةً في الرجوع عن رأيه ، و قبول الحقّ ممّن جاء به ، كائنًا من كان .
كيف ، و هم المتواصون بالحقّ ، المتواصون بالصبر !!