و ما أجمل قول فاروق هذه الأمة رضي الله عنه في كتابه لمعاوية بن أبي سفيان عامله على الشام: ( و لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك و هديت لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم و مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ) .
قال السرخسي رحمه الله معقبًا على كلام الفاروق هذا: ( و ليس هذا في القاضي خاصة بل هو في كل من يبين لغيره شيئا من أمور الدين الواعظ و المفتي و القاضي في ذلك سواء إذا تبين له أنه زل فليُظهر رجوعه عن ذلك ، فزلة العالم سبب لفتنة الناس ... و قوله: الحق قديم ؛ يعنى هو الأصل المطلوب ، و لأنه لا تنكتم زلة من زل ، بل تظهر لا محالة فإذا كان هو الذي يظهر على نفسه كان أحسن حالًا ، ثم العقلاء ، من أن تظهر ذلك عليه مع إصراره على الباطل ) [ المبسوط: 16 / 62 ] .
قلت: و ما إصرار المخطئ على خطئه بعد قيام الحجة عليه ، و وضوح المحجّة بين يديه ، إلا ضرب من ضروب المكابرة ، لا يصير إليها إلا مخذول أخذته العزّة بالاثم ، فآثر العاجل على الآجل ، و هذا حال علماء السوء الذين ابتليت بهم الأمّة قديمًا و حديثًا ، و لهؤلاء خطر داهمٌ تتعيّن مقابلته بالنكير و التحذير .
روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ، و لا يستنون بسنتي ، و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ) .
و روى أحمد و غيره بإسناد حسن عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال لكعب: إني أسألك عن أمر فلا تكتمني قال: و الله لا أكتمك شيئًا أعلمه . قال: ما أخوف شيءٍ تخافه على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: أئمة مضلون . قال عمر: صدقت ، قد أسر ذلك إليَّ و أعلمنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
و قال عبد الله بن المبارك رحِمَه الله:
و هل أفسد الدين إلا الملوك
و أحبار سوء و رهبانها
و مثل أحبار ( علماء ) السوء كما روي عن المسيح عليه السلام: كمثل صخرة وقعت في فم النهر ، لا هي تشرب و لا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع ، أو كمثل قناة الحُش ظاهرها جص و باطنها نتن ، و مثل القبور ظاهرها عامر و باطنها عظام . [ انظر: إحياء علوم الدين: 1/74 ] .
... و ردعًا لهؤلاء ( ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتيين ، فمن صلح للفتيا أقره ، و من لا يصلح منعه ، و نهاه أن يعود ، و تواعده بالعقوبة إن عاد ، و طريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى ، أن يسأل علماء وقته ، و يعتمد أخبار الموثوقين فيهم ) قاله الخطيب البغدادي [ كما في آداب الفتوى ، للنووي ، ص: 17 ، 18 ] .
... قال ابن القيم رحمه الله: ( من أفتى الناس ، و ليس بأهل للفتوى فهو آثم عاصٍ ، و من أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا ) .
ثمّ نقل عن أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله قوله: ( و يلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية ، و هؤلاء بمنزلة من يدل الركب و ليس له علم بالطريق ، و بمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة ، و بمنزلة من لا معرفة له بالطب ، و هو يطب الناس ، بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، و إذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب و السنة و لم يتفقه في الدين ! ) [ إعلام الموقّعين: 4 / 17 ] .
خاتمة
و بعد فقد علَّق الإمام البخاري في صحيحه عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قوله: ( ثلاث من جمعن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك ، و بذل السلام للعالم ، و الإنفاق من الإقتار ) .
قال الحافظ في الفتح: ( قال أبو الزناد بن سراج و غيره: إنما كان من جمع الثلاث مستكملًا للإيمان لأن مداره عليها ; لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقًا واجبًا عليه إلا أداه , و لم يترك شيئًا مما نهاه عنه إلا اجتنبه , و هذا يجمع أركان الإيمان ) [ فتح الباري: 1 / 83 ] .
قلتُ: و بقَدر ما يبتعد المرء عن الإنصاف ، يكون الصواب عنه بعيدًا ، و من رامَ الحقَّ ، أنصفَ الخَلقَ و رَحِمَهم .
و طلبًا للإنصاف ، و إحقاقًا للحق ، لا غيرَ كان عَملي في هذا البحث ، تربيةً لنفسي ، و تذكيرًا لإخواني طلبة العلم بما ينبغي أن يكون عليه الحال تجاه أهل العلم و الفضل .
و خشية الإفراط في إجلال العلماء ، و تقديسهم عن الأخطاء ، كان لزامًا علينا التذكير بأنّهم بشَرٌ يصيبون و يخطئون ، و إن كانوا في معظم الأحوال موافقين للحقّ فيما يقولون و يفعلون ، و أنّهم عنه لا يعدلون ، إلا أن تقَع منهم زلّة ، في حال التباسٍ أو غَفلة .
فإن وقَعَت منهم الزلّة ( أو وَقعوا فيها ) رأيتَ الناس بسبَبِها فِسطاطين ، مُفرِطٌ و مُفَرِّط .
مُفرِطٌ في تتبّع الزلاّت سواء كان قَصدُه الأخذ بها في العَمَل تَرخُّصًا ، أو الطَعن بسببها فيمن صدَرَت عنه تطاولًا و تنقصًا .