حُكْمُ سَبِّ الْأَنْبِيَاءِ عليهم الصلاة والسلام:
17 -مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ هُمْ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ , فَمَنْ سَبَّهُمْ فَكَأَنَّمَا سَبَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم وَسَابُّهُ كَافِرٌ , فَكَذَا كُلُّ نَبِيٍّ مَقْطُوعٍ بِنُبُوَّتِهِ , وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ . وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِنُبُوَّتِهِ , فَمَنْ سَبَّهُ زُجِرَ , وَأُدِّبَ وَنُكِلَ بِهِ , لَكِنْ لَا يُقْتَلُ , صَرَّحَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ .
حُكْمُ سَبِّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:
18 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ رضي الله عنها , فَقَدْ كَذَّبَ صَرِيحَ الْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ بِحَقِّهَا , وَهُوَ بِذَلِكَ كَافِرٌ قَالَ تَعَالَى فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ بَعْدَ أَنْ بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ: { يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } . فَمَنْ عَادَ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ . وَهَلْ تُعْتَبَرُ مِثْلُهَا سَائِرُ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ؟ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنَّهُنَّ مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ . وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } . وَالطَّعْنُ بِهِنَّ يَلْزَمُ مِنْهُ الطَّعْنُ بِالرَّسُولِ وَالْعَارُ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ مَذْهَبٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ: إنَّهُنَّ - سِوَى عَائِشَةَ - كَسَائِرِ الصَّحَابَةِ , وَسَابُّهُنَّ يُجْلَدُ , لِأَنَّهُ قَاذِفٌ . أَمَّا سَابُّ الْخُلَفَاءِ فَهُوَ لَا يَكْفُرُ , وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ .
حُكْمُ مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ:
19 -عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ , فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ كَمَا قَالَ , وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ } وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِفِسْقِ الْقَائِلِ . قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فَيَجِبُ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ لِلْحَدِّ , بِأَنْ قَالَ: يَا كَافِرُ , أَوْ يَا فَاسِقُ , أَوْ يَا فَاجِرُ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ مَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ كُفْرَهُ , مِثْلَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم } . فَهَذَا كُفْرٌ لَا يُخْرِجُ عَنْ الْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ تَشْدِيدٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا وَلَوْ لِذَنْبِهِ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ سَمَّى الْإِسْلَامَ كُفْرًا , وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ: { مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ } . أَيْ رَجَعَ عَلَيْهِ هَذَا إنْ كَفَّرَهُ بِلَا تَأْوِيلٍ لِلْكُفْرِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ أَوْ نَحْوِهِ وَإِلَّا فَلَا يَكْفُرُ , وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الْمُتَوَلِّي , وَأَقَرَّهُ , وَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْخَبَرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ فَلَا يَكْفُرُ غَيْرُهُ , وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي أَذْكَارِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُغَلَّظًا .
مَا يُوجِبُ الرِّدَّةَ مِنْ الْأَفْعَالِ:
20 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إلْقَاءَ الْمُصْحَفِ كُلِّهِ فِي مَحَلٍّ قَذِرٍ يُوجِبُ الرِّدَّةَ ; لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى , فَهُوَ أَمَارَةُ عَدَمِ التَّصْدِيقِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: وَكَذَا إلْقَاءُ بَعْضِهِ . وَكَذَا كُلُّ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ , أَوْ لِلشَّمْسِ , أَوْ لِلْقَمَرِ فَقَدْ كَفَرَ . وَمَنْ أَتَى بِفِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالْإِسْلَامِ , فَقَدْ كَفَرَ . قَالَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَدَلِيلُهُمْ قوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلَتْهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } .
الرِّدَّةُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ: