وأجمع السلف على أن الذي بين الدفتين كلام الله ، ولصاحب المواقف عضد الدين رحمه الله تعالى مقالة مفردة في تحقيق كلام الله تعالى تطابق ما تقدم وذكرها السيد الشريف في شرحه للمواقف ، وقد ظهر مما ذكره الحافظ بن حجر وصاحب المواقف موافقة الأشعري للإمام أحمد في مسألة الكلام وأن ما روي عنه مخالفا لذلك فهو غلط من الناقل أو جهل بما استقر عليه قول الاشعري ، وقد أتى تاج السبكي في الطبقات في ترجمة الأشعري باصرح من ذلك فراجعه إن شئت والله أعلم .
الفصل الثالث
في قواعد نافعة
القاعدة الأولى:
أن يقال القول في بعض الصفات كالقول في بعض ، فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله تعالى حي بحياة ، عليم بعلم ، قدير بقدرة ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، متكلم بكلام ، مريد بإرادة ، ويجعل ذلك كله حقيقة ، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهته ، فيجعل ذلك مجازا ، ويفسره إما بالإراده وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات ، قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته ، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر ، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين ، فكذلك محبته ورضاه وغضبه ، وهذا هو التمثيل ، وإن قلت: إن له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به ، قيل له: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به ، وله رضى وغضب يليق به ، وللمخلوق رضى وغضب يليق به ، فإن قال: الغضب غليان دم القلب للإنتقام ، قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة ، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق ، قيل لك: وهذا غضب المخلوق ، وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته .
وإن كان المخاطب ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة ، قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وبين إثبات الصفات ، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة تقتضي تشبيها وتجسيما لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم ، قيل لك: ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم ، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا بجسم ، فانف الأسماء ، بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا بجسم .
القاعدة الثانية:
إن الله سبحانه وتعالى موصوف بالإثبات والنفي ، فالإثبات: كإخباره أنه بكل شئ عليم وعلى كل شئ قدير وأنه سميع بصير ونحو ذلك.
والنفي: كقوله: { لا تأخذه سنة ولا نوم } وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتا، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشئ ، وماليس بشئ هو كما قيل ليس بشئ فضلا عن أن يكون مدحا أو كمالا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع وهما لا يوصفان بمدح ولا كمال. ولهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنا لإثبات مدح كقوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} إلى قوله: { ولا يؤده حفظهما } فنفى السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام ، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: { ولا يؤده حفظهما } أي لا يكربه ولا يثقله، وذلك مسلتزم لكمال قدرته وتمامها ، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشئ بنوع كلفة ومشقة ، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته، وكذلك قوله: { لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض } فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه لكل ذرة في السموات والأرض وكذلك قوله تعالى: { ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } فإن نفي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دال على كمال القدرة ونهاية القوة ، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه، وكذلك قوله تعالى { لا تدركه الأبصار } إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء، ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحا ، وإنما الممدوح في كونه لا يحاط به وإن رئي، كما أنه لا يحاط به وإن علم ، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحا وصفة وكمال، وكان ذلك دليلا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة لا على نفسها، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها والله أعلم.
القاعدة الثالثة ( بين صفات الله وصفات المخلوقين ) :
إن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أنواع المحاذير.
أحدها: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.