فهرس الكتاب

الصفحة 2526 من 27345

العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تبدأ بشغل حيز في تفكير وكيان الإنسان منذ بدء عملية ومرحلة البلوغ، إن ضبط هذه العلاقة منذ البداية يجعلنا حقيقة مطمئنين إلى عبور أبنائنا لأزماتهم بشكل ثابت راسخ، وإن هذه الأزمات ما هي إلا أزمات عابرة تمر بمساعدة من لطيف الإشارة ودقيق التوجيه عميق الدعاء الخالص.

فلا بد هنا من توضيح حدود علاقة الرجل بالمرأة، وما هو الحب الحقيقي وكيف يبنى في البيوت على أساس التقوى والعشرة الطيبة، وحدود علاقة المحارم، ويرى الشاب والشابة من طبيعة التعاملات العائلية والمنزلية ما يؤكد هذه الصور.

والخلاصة أن كثيرًا من مشاكل البلوغ إنما يتحمل المسئولية فيها الأباء، وأن السبيل لحلها هو سد الثغرات قبل وقوعها، والحوار الناجع والفعال لتدارك ما يطرأ أولًا بأول.

وتعالَ معي نتأمل هذا المثل النبوي الشريف:

وجاء شاب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال يا رسول الله: 'أتأذن لي في الزنا؟' فهاج القوم وماجوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه .. أقبل يا ابن أخي فأجلسه بجوره ثم قال له: أترضاه لأمك؟ قال: لا يا رسول الله. قال: فكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم .. ثم مسح على صدره ودعا له... الحديث بكامله.

إنني هنا أريد لفت الانتباه إلى نموذج تربوي لم يوجد مثله قط، وهو النموذج النبوي، تعالَ معي نتأمل بعض ملامح هذا النموذج من هذا الحوار اللطيف الدائر بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا الشاب.

أولًا: مجيء الشاب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذن في الزنا، أليس لهذا المشهد دلالات عجيبة؟

[1] إنه يرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المربي المنوط بحل المشكلات واللجوء إليه بعد اله تعالى وفي ذلك دلالة واضحة على ما أثمره الخطاب النبوي والرباني في النفوس من بث الوازع الديني فيها، وعلاقة استشعار الشاب أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستفهمه ويرحمه ويرفق به.

[2] خطاب الشاب يوحي بأنه في أزمة فكأنه في صراع بين دواع الشهوة والرغبة في تخفيف أدارها وتصريف طاقتها وبين الخطاب الرباني القوي المانع من التصرف المحرم، وبذا يكون الخطاب الرباني قد أدى الرسالة في صون الإنسان من المحرم.

[3] نوجه إليك عزيزي الأب عزيزتي الأم سؤالين على الفقرة السابقة:

أـ هل يأتي ابنك أو ابنتك ليحادثك في هذه الأمور ويشتكي من ضغطها عليه؟

أو هل تحادثه فيها بالصورة الشرعية التي سنبينها بإذن الله تعالى؟

ب ـ هل حديث الابن أو الابنة يكون مقياسًا واضحًا لمدى النجاح في أثر الخطاب الرباني والوازع الديني الذي تربى داخلها؟

ثانيًا: معاملة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للشاب ومعاملة القوم:

هاجوا وماجوا دعوه, أقبِل يا ابن أخي.

[1] لا بد من توفير المناخ السليم حتى يمكن علاج المشكلات علاجًا ناجعًا, إن إحساس الابن أو الابنة أن باستطاعته مناقشة المشكلات بهدوء مع طرف من الأطراف هو الدافع الأساسي لفتح هذه المشكلة، وسماحة لهذا الطرف بعرضها وبيان التوجيه الأمثل لحلها، ألا نشتكي نحن من عدم معرفتنا بمشاكل أبنائنا ونحن الذين نغلق الباب عليهم ونمنعهم من أن يتوجهوا للحديث معنا إما لإغلاقنا قنوات الحوار معهم منذ النشأة الأولى، فهي تسير في اتجاه واحد من السلطة الأعلى إلى الأدنى, أو خوفًا من العقوبة بمجرد معرفة نوعية المشكلة بدون البحث عن حل لها.

[2] إنه ليس فقط فتح المجال لطرح الشكوى, لكن أيضًا الترفق والرحمة الغامرة في الموطن الذي تتم مقابلته عادة بالاستهجان والاحتقار والتقليل من الشأن, فهو يناديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ 'يا ابن أخي' وهو الذي يستأذن في الزنا، فتأمل ما أعظم هذا الخلق، وبمعنى أدق ما أعظم هذا النموذج التربوي المتفهم لدوافع النفس البشرية، ونوازعها وما يدور فيها ثم هو بعد ذلك مثال الطبيب الحاني الرفيق.

ثالثًا: شكل الحوار 'أترضاه لأمك ... لأختك ...'

وهذا في حد ذاته يعتبر مرجعًا تربويًا لمنهج الإسلام في صيانة الفرد والمجتمع.

[1] إنه أولًا يحدد أن العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة وثيقة لا تنفك، فكل امرأة مسلمة هي أم أو أخت أو زوجة أو ابنة ... وأن ما لا يرضاه الفرد لنفسه ولا لأهله لا ينبغي له أن يرضاه لغيره ولا لأهل غيره.

[2] طبيعة الحوار وأنه يتجه إلى ثوابت الفطرة التي يغرسها المجتمع المسلم في نفوس أبنائه، وهذا ما تكلمنا عنه عندما وضحنا الفرق بين الأزمة الحقيقية والأزمة العابرة, فهذه الثوابت تم غرسها في أبناء هذا المجتمع بأكثر من وسيلة, فلا تحتاج أكثر من إحيائها عند الاحتياج إليها.

[3] الحوار نفسه كوسيلة لقياس النفس البشرية داخليًا، ومن ثم تحديد العلاج المطلوب على أساس هذا القياس وقد كان كافيًا في حالة الشاب التوجيه إلى بيان الضرر الواقع على المجتمع ومن ثم الواقع عليه بصورة شخصية حتى نوفر له دافعًا آخر يمنعه من المعصية والزنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت