وقد كان دأب النظار من الفقهاء المجتهدين في كل زمان أن يعالجوا الأحوال الطارئة في حياة المسلمين بالحلول الشرعية، وأن يوسعوا الاستنباط الفقهي بالنسبة لتلك الأحوال التي لا يكون فيها من نصوص الوحي تفصيل، مثل حال الأقليات التي أشرنا إليها، بل كان من دأبهم أن ينتقلوا بالنظر الفقهي من تشريع الأحكام التفصيلية في معالجة تلك الأحوال إلى تأسيس القواعد والأصول المنهجية التي توجه ذلك النظر وتكون له ميزانا هاديا يُتحرى به ما يريده الله تعالى من أحكام في ترشيد الحياة، وتلك مهمة أدى منها الاجتهاد الفقهي في شأن أوضاع الأقليات المسلمة التي أفرزتها التطورات الماضية للتاريخ ما تيسر له أن يؤدي، وهي اليوم في شأن الأقليات المسلمة ملقاة على عاتق النظار من الفقهاء والمجتهدين المعاصرين بأشد وأثقل مما كانت ملقاة على عاتق السابقين؛ وذلك لما حصل في هذا الشأن من تطور لم يكن له في السابق مثيل.
إن المسلمين اليوم يعيش شطر كبير منهم -لعله يناهز ثلث عددهم أو يزيد- في حال أقلية تخضع في حياتها الجماعية لسلطان غير سلطان الدين الإسلامي، وتنفذ فيها إرادة قانونية هي إرادة أكثرية غير مسلمة، وتلك أحد إفرازات العالم المتغير المتسارع التغير، الذي تقاربت أطرافه، وتداخلت شعوبه وأممه، وتمازجت ثقافاته وحضاراته، ولعل المشهد الأوربي في هذا الشأن يمثل أحد النماذج الأبرز للأقليات المسلمة.
يعيش في أوربا اليوم في هذا الوضع ما يقارب الستين مليونا من المسلمين، وإذا كانت أوربا هي قلب الحضارة الغربية ومركز الثقل فيها، وإذا كان هذا الوجود المعتبر للإسلام والمسلمين فيها يمثل المظهر الأبرز للقاء المتفاعل بين الإسلام والغرب في عالم متغير، فكيف لا يكون من الأهمية بمكان أن تتجه الهمم العلمية لاجتهاد تأصيلي فقهي يوفق هذا الوجود الإسلامي لما فيه الخير لجميع القاطنين بهذه القارة ومن وراءهم من بني الإنسان، بسطا لقيم الإسلام الخالدة، واستفادة من الكسب الحضاري الأوربي، فإذا هي علاقة بين الإسلام والغرب مؤصلة على أصول من الدين متينة، فتكون مثمرة للتعايش السلمي والتعارف الحضاري، عاصمة من الصراع وما يفرزه من المآسي التي شهدت منها العلاقة بين الطرفين مشاهد محبطة في الماضي، وتشهد اليوم منها مشاهد أخرى تنذر بالإحباط بأسباب لعل من أهمها الافتقار إلى تأصيل عقدي فقهي مرشد. إن هذا التأصيل هو الذي نعنيه في هذه الورقة بالتأصيل لفقه الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية.
فقه الأقليات: تحديد المفاهيم
لعله يكون من المتأكد -في هذا الصدد- أن نحدد المفاهيم التي سيدور عليها التحليل متمثلة بالأخص في مصطلح الأقليات وفقه الأقليات، فهي مصطلحات حديثة عهد بالتداول بين المهتمين بهذا الشأن، ولا يزال الحوار فيها قائما في سبيل الانتهاء فيها إلى مفاهيم بينة، بل في سبيل الانتهاء فيها إلى إقرار بمشروعيتها مبحثا علميا ذا خصوصية، فيتوارد عليها النظار والباحثون إذن على سواء في البسط والاحتجاج، ويتقدم العلم فيها درجات مثمرة لا ينقض بعضها بعضا.
لقد راج مصطلح الأقليات في عصرنا وأصبح له بعد سياسي واجتماعي وقانوني؛ وذلك لما حدث في الواقع من اختلاط بين الأمم والشعوب بفعل تفشي هجرة الأفراد والجماعات من بلد إلى بلد، ومن قارة إلى قارة، لتوفر مغرياتها وليسر أسبابها، فإذا المجتمعات الأصلية في كل قارة تنضم إليها جماعات مغايرة لها ممن هاجر إليها، فتشاركها الحياة في وجوهها المختلفة، وتحدث في تلك المشاركة وجوه من الاحتكاك تسفر عن وجوه من الاضطرابات التي تطلب لها حلولا اجتماعية وسياسية، فكان ذلك من أهم أسباب رواج مصطلح الأقليات، ثم مصطلح فقه الأقليات.
أ ـ مصطلح الأقليات المسلمة:
حينما يُطلق مصطلح الأقليات فإنه يُراد به -في الغالب- المجموعات البشرية التي تعيش في مجتمع تكون فيه أقلية من حيث العدد، وتكون مختصة من بين سائر أفراد المجتمع الآخرين ببعض الخصوصيات الجامعة بينها، كأن تكون أقلية عرقية، أو أقلية ثقافية، أو أقلية لغوية، أو أقلية دينية، وإذن فإن هذا المصطلح يشير إلى عنصرين في تحقق وصف الأقلية هما: القلة العددية لمجموعة ما تعيش في مجتمع أوسع، والتميز دون سائر ذلك المجتمع بخصوصيات أصلية في الثقافة أو في العرق [1] .
وفي تحديد مصطلح الأقليات المسلمة المقصود في هذا المقام، ربما تعترض بعض المشكلات، فاللفظ بظاهره حينما يندرج في المصطلح العام للأقليات يكون دالا على مدلول عددي، ومدلول تميز ثقافي، فيصبح المعنى المقصود بالأقليات المسلمة تلك المجموعة من الناس التي تشترك في التدين بالإسلام، وتعيش أقلية في عددها ضمن مجتمع أغلبه لا يتدين بهذا الدين.