فهرس الكتاب

الصفحة 25267 من 27345

ومما يتوجه إلى هذا المصطلح من وجوه الاستفسار: هل تُعتبر من الأقليات المسلمة تلك الأقليات العددية التي قد تكون هي النافذة في مجتمع غير مسلم، بحيث يكون بيدها السلطان السياسي الذي تحقق به سيادة القانون الإسلامي على عموم المجتمع؟ وهل تُعتبر من الأقليات المسلمة تلك المجموعة المسلمة التي هي من حيث العدد أكثرية، ولكنها تعيش في مجتمع تكون فيه مجموعة أخرى غير مسلمة هي النافذة بحيث تسيطر على الحكم وتطبق من خلاله قانونا غير إسلامي على سائر المجتمع؟

إن الإجابة عن هذه المشكلات ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أيضا طبيعة الصفة الإسلامية في خصوصيتها من بين سائر الأديان؛ إذ إن المسلم لكي تتحقق صفته الإسلامية ينبغي أن يحكم الإسلام كل وجوه حياته الفردية والاجتماعية، وهو ما يجعل علاقة القانون العام الذي ينظم الحياة ميزانا أصليا في تحقق الصفة الإسلامية أو عدم تحققها، بينما غير المسلمين يمكن أن يتحققوا بصفة دينهم إذا ما تدينوا به في خاصة النفس مهما يكن القانون العام الذي يطبق عليهم.

إذا ما أضفنا هذا إلى ذاك أصبح مصطلح الأقليات المسلمة مصطلحا ذا خصوصية بين نظائره من المصطلحات الضابطة للأقليات؛ إذ يصبح القانون العام الذي يُطبق في المجتمع الذي توجد به الأقلية عنصرا مهما في تحديد مفهوم هذا المصطلح، فيكون إذن مصطلحا ينطبق على تلك المجموعة من المسلمين التي تعيش في مجتمع تُطبق فيه قوانين غير إسلامية من قِبل سلطات حاكمة غير إسلامية، أو تسود فيه لسبب أو لآخر ثقافة وأعراف وتقاليد غير إسلامية.

وعلى هذا الاعتبار يدخل في مفهوم الأقلية المسلمة تلك الأكثرية المسلمة في مجتمع يخضع لقانون وثقافة غير إسلامية إذا كانت تلك الأكثرية مغلوبة على أمرها في ذلك النمط من الحياة، ومن باب أولى أن يدخل فيه الأقلية الخاضعة لنظام غير إسلامي. وعلى هذا الاعتبار أيضا يخرج من مفهوم الأقلية المسلمة تلك الأقلية التي يكون لها نفوذ يسود به القانون الإسلامي والثقافة الإسلامية في المجتمع الذي تعيش فيه، كما يخرج منه أيضا المسلمون الأكثرية إذا كانوا يخضعون لحكم من قِبل أنفسهم، ولكن لا يُطبق فيهم القانون الإسلامي إن جزئيا أو كليا كما هي أوضاع الكثير من البلاد الإسلامية اليوم، إذ هذه الحال من عدم التطبيق الديني عليهم ليست متأتية من مغلوبيتهم لجماعة غير إسلامية، وإنما هي متأتية من جهل أو تقصير أو غير ذلك من الأسباب الذاتية.

ب ـ مصطلح فقه الأقليات:

لا يتجاوز عمر هذا المصطلح حسبما نعلم بضعة عقود، ولا يتجاوز شيوعه في الاستعمال عقدا أو عقدين. ولعل منشأه كان مرتبطا بالجالية الإسلامية بالبلاد الغربية، إذ لما تكاثرت هذه الجالية بأوربا وأمريكا، وبدأت حياتها تنتشر وعلاقاتها تتشعب، وبدأت تشعر بكيانها الجماعي ذي الخصوصية الدينية في مهجرها الذي يعيش فيه مجتمع غير إسلامي، وتسود فيه ثقافة وقوانين غير إسلامية، إذ ذاك بدأت تتوق إلى أن تنظم حياتها الفردية والجماعية على أساس من دينها، ولكن وجدت أن وجوها كثيرة من تلك الحياة لا يفي بتوفيقها إلى أحكام الدين ما هو متداول معروف من الفقه المعمول به في البلاد الإسلامية، إما لأنه لا يناسب أوضاعا مخالفة للأوضاع الموجودة بالبلاد الإسلامية، أو لأنه لا يغطي أوضاعا انفردت بها حياتهم بالمهجر، فأصبحت هناك ضرورة لفرع فقهي جديد يختص في معالجة حياة هذه الأقلية أُطلق عليه مصطلح فقه الأقليات.

وليس فقه الأقليات بمنعزل عن الفقه الإسلامي العام، ولا هو مستمد من مصادر غير مصادره، أو قائم على أصول غير أصوله، وإنما هو فرع من فروعه، يشاركه ذات المصادر والأصول، ولكنه ينبني على خصوصية وضع الأقليات، فيتجه إلى التخصص في معالجتها، في نطاق الفقه الإسلامي وقواعده، استفادة منه وبناء عليه، وتطويرا له فيما يتعلق بموضوعه، وذلك سواء من حيث ثمرات ذلك الفقه من الأحكام، أو من حيث الأصول والقواعد التي بُنيت عليها واستُنبطت بها.

فمن حيث ثمرات الفقه من الأحكام فإن فقه الأقليات ينبني جسمه الأكبر على تلك الثمرات؛ إذ القدر الأكبر منها متعلق بما هو ثابت تشترك فيه أوضاع المسلمين مهما تغايرت ظروفها في الزمان والمكان، ولكن مع ذلك فإنه يعمد إلى اجتهادات كانت مرجوحة، أو غير مشهورة، أو متروكة لسبب أو آخر من أسباب الترك، فيستدعيها، وينشطها ويحييها، لما يُرى فيها من مناسبة لبعض أوضاع الأقلية المسلمة تتحقق بها المصلحة، فيعالج بها تلك الأوضاع، في غير اعتبار لمذهبية ضيقة، أو عصبية مفوتة للمصلحة، ما دام كل ذلك مستندا إلى أصل في الدين معتبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت