والنعي لغة: هو الإخبار بموت الميت، فهو على هذا يشمل كل إخبار ولكن قد جاءت أحاديث صحيحة تدل على جواز نوع من الإخبار، وقيد العلماء بها مطلق النهي، وقالوا: المراد بالنعي الإعلان الذي يشبه ما كان عليه أهل الجاهلية من الصياح على أبواب البيوت والأسواق كما سيأتي.
النعي الجائز
والنعي الجائز هو إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك، وفي أحاديث منها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه:
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربعًا". أخرجه الشيخان وغيرهما.
وترجم البخاري في صحيحه بابًا بقوله:
"باب الرجل ينعى أهل الميت بنفسه"، وقال الحافظ:
"وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق ...".
ويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت لحديث أبي هريرة وغيره في قوله صلى الله عليه وسلم لما نعي للناس النجاشي:"استغفروا لأخيكم".
ومما سبق تعلم أن قول الناس اليوم في بعض البلاد:"الفاتحة على روح فلان"مخالف للسنة المذكورة، فهو بدعة بلا شك، لا سيما والقراءة لا تصل إلى الموتى على القول الصحيح.
التعزية
وتشرع تعزية أهل الميت، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من عزى أخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يحبر بها يوم القيامة، قيل يا رسول الله ما يحبر ؟ قال يغبط"يغبط يعني يسر.
أخرجه الخطيب في"تاريخ بغداد"وابن عساكر في"تاريخ دمشق"، وله شاهد عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مقطوعًا، أخرجه ابن أبي شيبة في"المصنف"وهو حديث حسن بمجموع الطريقين.
وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما:
1-الاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد.
2-اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء.
وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال:
"كنا نعد (وفي رواية نرى) الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة".
أخرجه أحمد وابن ماجه والرواية الأخرى له وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه النووي والبوصيري في الزوائد.
وقال النووي في"المجموع":
"وأما الجلوس للتعزية، فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها".
وإنما السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعامًا يشبعهم، لحديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال:
"لما جاء نعي جعفر حيث قتل قال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم".
ما ينتفع به الميت
وينتفع الميت من عمل غيره بأمور:
أولًا: دعاء المسلم له، إذا توفرت فيه شروط القبول، لقول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر:10] .
وأما الأحاديث فهي كثيرة جدًا، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به، آمين ولك بمثل".
أخرجه مسلم والسياق له، وأبو داود، وأحمد من حديث أبي الدرداء.
بل إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك، لأن غالبها دعاء للميت واستغفار له.
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بأنه لم يرد في بيان صفة الاستغفار والدعاء للميت بعد الدفن حديث يعتمد فيما نعلم، وإنما ورد الأمر بمطلق الاستغفار والدعاء له بالتثبيت، فيكفي في امتثال هذا الأمر أي صفة استغفار ودعاء له، كأن يقول: ( اللهم اغفر له وثبته على الحق ) ونحو ذلك [9/94-95] .
ثانيًا: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه، لحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من مات وعليه صيام، صام عنه وليه".
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، ومن طريقه البيهقي، والطحاوي في"مشكل الآثار"، وأحمد.
ثالثًا: قضاء الدين عنه من أي شخص وليًا كان أو غيره.
رابعا: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجره شيء، لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله عز وجل يقوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه".