وكان عليه الصلاة والسلام أبعد الناس عن أساليب التعمية والإلغاز والإشارات الخفية: ولما فتح عليه الصلاة والسلام مكة كان هناك نفر قد سبوا النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر بإهدار دمائهم ومنهم ابن خطل وابن أبي سرح أمر أن يقتلوه، ولو رأوه متعلقًا بأستار الكعبة فقتل ابن خطل ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: [أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ] فَقَالُوا مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ: [إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ] رواه أبوداود والنسائي . هذا ليس من شأن النبي، النبي واضح في كلامه، واضح في أفعاله، ليس عنده إشارات خفية.
وحتى لما مات عليه الصلاة والسلام عند موته ولسانه يقبض مع روحه جاهد لكي يقول لنا: [الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَجْلِجُهَا فِي صَدْرِهِ وَمَا يَفِيصُ بِهَا لِسَانُهُ. رواه أحمد وابن ماجة .
ومن بيانه عليه الصلاة والسلام أنه لا يُمكن أن يُؤخر ما يحتاج إليه الناس عن وقت الحاجة، وهي القاعدة العظيمة:' لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة': ويجب على المفتين عندما يسألون، ويعرفون الحق أن يجيبوا بلا مواربة، أن يجيبوا بلا تلاعب، أن يجيبوا بصريح العبارة، أن يجيبوا جوابًا يفهمه الناس .
إن من المصائب اليوم: أن يسأل بعض المفتين، فيسكت .
ويسأل بعضهم، فيجيب إجابة مغماة معماة، لا يعرف ما هو القصد فيها .
ومن أكبر المصائب في هذا الباب أن يسأل، فيجيب بالباطل؛ إرضاءً لفلان وعلان .
يا عباد الله .. إن أضرار عدم البيان شنيعة: منها:
خفوت دين الله ..وخفاء الحق .. واستشراء المنكر؛ لأنه لم يُبَيَّن فهو يستشري وينتشر .. وخذلان أهل الحق، لو بين لانتعش أهل الحق، وانتصر أهل الحق، وكان ذلك دعمًا لهم .. ومن أكبر المصائب لعدم التبيين: وقوع العامة في الضلال، ويَتَخذ الناس رؤوسا جهالًا، يفتون بغير علم، فيضلون ويضلون .
وكان الإمام أحمد رحمه الله يقدر موقعه في الأمة، و أن الناس ينظرون إليه: ولذلك لما طلب منه القول بخلق القرآن أبي، ولما هدد بالقتل، وقال له تلميذه: يا أستاذ قال الله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [29] } [سورة النساء] . قال: يا مروذي، اخرج فانظر، فخرج إلى الساحة قال: فرأيت خلقًا لا يحصيهم إلا الله والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، قال لهم المروذي:ماذا تعملون ؟ قالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه، فقال الإمام أحمد: يا مروذي أُضِلُّ هؤلاء كلهم .
والبويطي رحمه الله الشافعي لما امتحن في قضية خلق القرآن لم يجب: فقال له والي مصر المكلف من قبل الخليفة بامتحانه وتعذيبه حتى يقر، قال له بينه وبينه علاقة حسنة: قل فيما بيني وبينك، لماذا لا تريد أن تكتب وتقر بما أمر به الخليفة ؟ قال: إنه يقتدي بي مائة ألف ولا يدرون المعنى، ناس من العامة تقلدني لا تستطيع أن تميز، فأمر به فحمل إلى بغداد، فقال البويطي رحمه الله: لئن دخلت عليه- يعني: الخليفة- لأصدقن، ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في حديدهم .
ونقل ابن كثير رحمه الله عن وهب: أُتِيَ رجلٌ من أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنزير، فأعظم الناس مكانه، وهالهم أمره، وهذا رجل كان عالمًا يحبه الناس، والملك يريد أن يفتن الناس على أكل لحم الخنزير، وأشفق الناس على هذا العالم، فقال له صاحب شرطة الملك سرًا بينه وبينه: أيها العالم اذبح جديا مما يحل لك أكله ثم ادفعه إلى حتى اصنعه لك على حده فإذا دعا الملك بلحم الخنزير أمرت به فوضع أي الجدي بين يديك فتأكل منه حلالًا ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير، فذبح ذلك العالم جديًا، ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له، و أمر الطباخين إذا أمر الملك أن يقدم إلى هذا العالم لحم الخنزير أن يضعوا بين يديه لحم ذلك الجدي . واجتمع الناس لينظروا أمر هذا العالم هل يأكل أم لا ؟ وقالوا: إن أكل أكلنا وان امتنع امتنعنا.