خسرت الولايات المتحدة من أرصدتها الذهبية، في الفترة الممتدة من شهر كانون الثاني 1958 إلى شهر كانون الأول 1960، خمسة مليارات دولار. إذ كان حجم هذه الأرصدة سنة 1958 (22.8) مليارًا من الدولارات، فانخفض في سنة 1960 إلى (18.8) مليارًا. ويعود السبب في ذلك إلى أن كمية الدولارات في الخارج، رسمية كانت أو خاصة، ازدادت بنسبة محسوسة. حيث أخذت السلطات النقدية المسؤولة في العالم تلمس تراكم العجز في ميزان المدفوعات الأميركي. وعندئذٍ بدأت الثقة بالدولار تتضعضع، مما أدى إلى زيادة الطلب على الذهب. فأخذ الأفراد يسارعون إلى اكتناز الذهب. كما أخذت المصارف المركزية تطلب من الولايات المتحدة الأميركية تبديل قسم من أرصدتها بالذهب، وأخذت تسدد عجز ميزان مدفوعاتها بالدولار فقط دون استعمال الذهب (وهنا تكمن الخطورة) . وقد بلغت أزمة الذهب أشدّها سنة 1960، عندما أخذت بعض المصارف المركزية تضاعف طلبها على الذهب، من الولايات المتحدة الأميركية، ومن سوق لندن أيضًا.
ويمكن القول أنه، لأول مرة منذ 1954، وصل الطلب على الذهب مستوى لم تعد كميات الذهب المستخرجة جديدًا تكفي لتلبيته. وهكذا ارتفع الذهب في 20 تشرين الأول 1965 من (35) دولارًا للأونصة، حسب بريتون وودز، إلى (40) دولارًا. ما يفيد أن الثقة بالدولار الأميركي قد فقدت، وفقدان الثقة بالدولار يعني تضعضع نظام النقد الدولي. فاضطرت الولايات المتحدة، أمام هذه الأحداث الخطيرة، إلى التحرك. وأعلنت أن باستطاعة مصرف بريطانيا أن يحصل على الذهب من الولايات المتحدة، من أجل عرضه للبيع في سوق لندن، لتثبيت السعر عند مستوى (35) دولارًا للأونصة. إلا أن تصريح الولايات المتحدة هذا لم يستطع تهدئة الأوضاع؛ لذا طلبت معونة البلدان الرئيسية في العالم من أجل معالجتها. وبذلك تم إنشاء (مجمع الذهب) .
حقوق السحب الخاصة:
عندما قاربت المرحلة الثانية في سلسلة (نظام النقد الدولي) على الانتهاء، وهي مرحلة الصرف بالذهب، حاملةً معها مآسي وأزمات مالية حادة، رأت أميركا - كما رأى كثير من الخبراء الاقتصاديين - أنه لا بد من الانتقال إلى مرحلة جديدة تنقذ الاقتصاد الأميركي من الأزمات التي تردّى فيها، وتعيد للدولار عافيته؛ لأن نظام النقد الدولي الحالي يومئذ كان من إفرازات اتفاقية بريتون وودز. وقد رأت أميركا أن هذا النظام يثقل كاهل الاقتصاد الأميركي، ويوقع دولارها واقتصادها في ورطة لا تستطيع الوقوف أمامها، وهي الصرف بالذهب، أي صرف الدولار بالذهب؛ لأن هذه الوظيفة أوكلت للدولار وحده. فلما اتسع نطاق إصدار النقد الورقي الإلزامي، وكانت المصارف المركزية العالمية ملتزمة بضمان حمايته، وتسهيل عملية صرفه، بموجب الصلاحية التي منحتها المصارف المركزية العالمية، المرتبطة بشروط صندوق النقد الدولي، عند التوقيع على اتفاقية بريتون وودز، أرادت أميركا كسرها وإلغاءها، فقامت بعدة إجراءات علاجية كمقدمة للتخلص من نظام النقد الدولي. ومن أهم هذه الإجراءات، الإجراء الذي دخل حيّز التطبيق العملي في أول 1970، ويعرف باسم «حقوق السحب الخاصة» أو كما يطلق عليه في بعض الأحيان «الذهب الورقي» . وكان الهدف من هذه الإجراءات أن تجعل من الدولار النقد الدولي بكل ما في هذه الكلمة من معنى؛ لتتخلص من التزامها باستبدال الدولار بالذهب، وينتهي شيء اسمه الذهب من المعاملات المالية والتجارية، ويوضع نظام الصرف بالذهب على الرفّ، كما وضع من قبله نظام القاعدة الذهبية، في نهاية الحرب العالمية الثانية بموجب اتفاقية بريتون وودز.
كان احتياطي أميركا الذهبي قد وصل إلى حالة الذوبان، ولكثرة الأوراق الدولارية المبعثرة والمنتشرة في أنحاء العالم، كثر الطلب على استبدال الدولار بالذهب وبخاصة من قبل فرنسا أيام ديغول وبعده.