أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، اقتضت ظروف ومتطلبات ونفقات الحرب رحيل الأرصدة الذهبية، من دول أوروبا الغربية وغيرها إلى الولايات المتحدة الأميركية. وما انتهت الحرب العالمية الثانية إلا وخزائن دول الحلفاء خاوية من الأرصدة الذهبية؛ لأنها في معظمها انصبّت في خزائن المصارف المركزية والخزينة الأميركية. فما كان من أميركا إلا أن عمدت إلى وضع قاعدة جديدة لنظام النقد الدولي، كسرت بها القاعدة الذهبية، ووضعت بدلها، بموجب اتفاقية بريتون وودز، قاعدة الصرف بالذهب، وجعلت من الدولار مرجعًا دوليًا، يصرف بموجبه معيارٌ متفقٌ عليه وهو (35) دولارًا لكل أونصة من الذهب، يتعهد المصرف الفدرالي الأميركي باستبدالها وصرفها. وأخذ الاقتصاد الأميركي في النمو والاتساع طيلة فترة الخمسينيات، لأن أميركا نصبت نفسها سيدةً لهذا العالم. فأخذت على عاتقها بناء ما تهدّم، وأغدقت المعونات والمساعدات على ما سمي بالدول النامية، والتزمت بإنشاء أحلاف عسكرية، وبناء قواعد عسكرية في معظم أرجاء العالم، وأفرطت في تطوير السلاح النووي والصاروخي، وتبنّت خطة غزو الفضاء. فاقتضى ذلك منها أن تطبع من الدولارات ما يفوق الحصر، وتاهت هذه الدولارات في الأرض شرقًا وغربًا، وكانت تسمى بالدولارات الضائعة.
ولكن اتفاقية بريتون وودز تلزمها باستبدال الدولارات بالذهب، وفي بداية الستينيات كانت قد انتهت فترة ازدهار الاقتصاد الأميركي، وظهر العجز في ميزان مدفوعاتها، وأخذ يزداد ويتفاقم، فبدأت الأزمات الاقتصادية.
كان من المعلوم يومئذ أنه يوجد هناك رأيان على الصعيد الدولي: رأي تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية، ومن ورائها بريطانيا، وهو أن حجم السيولة الدولية غير كافٍ، ويجب العمل على زيادته لتأمين حاجة النشاط التجاري الدولي. والرأي الثاني تتزعمه فرنسا، وهو على النقيض تمامًا من الرأي الأول، حيث يرى أن حجم السيولة الدولية يمر في حالة فائض، الأمر الذي يسبب الاضطرابات النقدية الدولية.
ولكن انتصر الرأي الأول، فكان لا بد من إصلاح الوضع، بالقضاء على عجز ميزان المدفوعات الأميركي، الذي يعتبر من المصادر الهامة للسيولة الدولية. وقد آل هذا الانتصار إلى خلق عنصر جديد من عناصر السيولة الدولية، وهو حقوق السحب الخاصة. ويرى البعض أن خلق هذا العنصر الجديد المبتدع لا يرمي فقط إلى زيادة حجم السيولة الدولية، وإنما أيضًا إلى إزاحة الذهب من الصعيد الدولي، وإحلال الدولار مكانه. وهذا ما تسعى له أميركا. وقد تثبت هذا الوضع بعد إعلان نيكسون مبادئه الاربعة يوم 15/8/1970.
ومن أجل تطبيق هذه الفكرة عمليًا، كان لا بد من أخذ موافقة الدول المعنية عليه. ففي الاجتماع الذي عقدته البلدان الأعضاء، في نادي الدول العشر في 28/8/67، عرضت هذه الخطوط على الجمعية العامة لصندوق النقد الدولي، خلال اجتماعها في ريو دي جانيرو في شهر ايلول 1967، حيث قرر المجتمعون أولًا - وذلك تحت ضغط الدول الأوروبية - أن عملية إصدار هذا العنصر يجب أن تجري بموافقة 85% من عدد أصوات الدول الأعضاء في الصندوق؛ ولأن الدول الأوروبية الاعضاء في السوق تستطيع أن تحول دون إصدار كمية من حقوق السحب هذه لأنها تمتلك من هذه الناحية حق النقض (الفيتو) . مع العلم أنه في اتفاقيات بريتون وودز كانت الولايات المتحدة وحدها تملك هذا الحق بالنسبة إلى القرارات النقدية المهمة. كما نصت الاتفاقية على أن حقوق السحب هذه هي تسهيلات نقدية إضافية، أي إنها عنصر مساعد لعناصر السيولة النقدية التقليدية. إذ لا يلجأ إلى استعمالها إلا إذا اقتضت الحاجة، أي إذا لم يعد حجم هذه السيولة يكفي بسبب الطلب عليه. هذا يعني أنه لا يمكن استعمال العنصر الجديد، إلا ضمن شروط وظروف محددة، أي خلافًا للعنصر السابق، وهو حقوق السحب العادية.
أما بالنسبة لتسديد حقوق السحب الخاصة، فقد ورد في الاتفاقية أن البلد الساحب، أي البلد المدين، مجبر على تسديد 30% فقط من قيمة قرضه. أما الـ 70% الباقية فإنه ليس مجبرًا على تسديدها، أي إنها تبقى معلقة في الهواء بدون تسديد. وهذا البند الجديد يقتصر حق استعماله على البلدان المدينة فقط، وهي صاحبة العجز في ميزان المدفوعات. وبذلك لا يحق للبلدان الدائنة صاحبة الفائض اللجوء إلى استعمال الحق المذكور، ولا يحق استعمال هذا العنصر إلا في حالة المديونية.
ولقد وضع سقف - أي حدّ أعلى - لحقوق السحب هذه، أي وضعت الاتفاقية سقفًا للمقدار الذي يستطيع أن يسحبه بلد مدين على بلد دائن، أي في حالة فائض. لكن البلدان صاحبة الفائض هي التي تقوم بتمويل عمليات السحب، وليس الصندوق. وأما السقف، أي الحد الأعلى للسحب، فيجب ألا يتعدى، بأي حال من الأحوال، ثلاثة أضعاف حصته من حقوق السحب العادية. فلو فرضنا أن حصة فرنسا من حقوق السحب هذه هي (100) مليون دولار، فإنه لا يمكنها أن تسحب عليها أكثر من (300) مليون دولار.