خطورة الكذب والنفاق وأثرهما على الفرد والمجتمع والأمة وبخاصة في مجتمعاتنا اليوم التي كثر فيها الكذب والدجل والمداهنة ، وقل الصدق فيها والصادقون، ولا أعلم والعلم عند الله عصرًا ظهر فيه الكذب والنفاق بوسائله الماكرة المتطورة كما ظهر في عصرنا اليوم، حتى أصبح الكذب له مدارسه وأساليبه التي تعلم الناس كيف يكذبون، وكيف ينافقون وكيف يدلسون ... الخ ، ولا أبالغ إذا قلت إن وسائل الإعلام اليوم المقروءة منها والمسموعة والمنظورة قد قامت في أغلب برامجها على الكذب ، وقلب الحقائق وتسمية الأمور بغير أسمائه، وقد تجاوز الأمر حده حتى أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا ، وظهر الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأصبحنا نسمع من يقول عن المسلم الصادق الذي يتحرى الصدق بأنه ساذج وبسيط وسطحي ... الخ ، في الوقت الذي
يوصف الكاذب المنافق بأنه السياسي الحكيم المحنك ، إن مجتمعًا كهذا حري بالسقوط والدمار ، ولا نجاة ولا فلاح إلا بالصدق ، والأمة الصادقة مع ربها سبحانه ومع رسولها صلى الله عليه وسلم لا تهزم أبدًا .
الأمر الخامس:
ظهور بعض علامات ضعف الصدق في صفوفنا معشر الدعاة إلى الله عز وجل ، وذلك بوجود بعض التصرفات والممارسات التي تتنافى مع الصدق في الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله ، فقلّ الصادقون الربانيون الذين يصدقون في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم، ويضحون في سبيل الله عز وجل بكل ما يملكون لنيل مرضاته وحبه ، نعم إنه بمحاسبة عجلى لنفوسنا يتبين لنا هذا الضعف وأننا في أمس الحاجة إلى تقوية هذا الخُلق ، ونبذ كل ما يتنافى معه من صور الكذب والنفاق ووهن العزيمة ، وضعف الهمة ، وإلا فما معنى وجود هذه الجهود الضخمة المبذولة اليوم في طرق الدعوة إلى الله عز وجل ، ثم لا نرى لها إلا أثرًا ضعيفًا لا يكافئ تلك الجهود المبذولة ؟ !
الأمر السادس:
إن الصراع الذي نشاهده اليوم بين الحق والباطل ، بين دعاة الشر والكفر ودعاة الخير والإصلاح ، ليحتم على أهل الخير حرصهم الشديد على الصدق مع الله سبحانه واليقين بنصره وثوابه ، حتى لا تزل الأقدام ، وتضعف العزائم إزاء هذا البلاء العظيم والمعركة الشرسة بين الحق والباطل ، وهذه المواطن هي التي يتميز فيها الصادقون عمن سواهم ، قال تعالى: (( الم ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) (العنكبوت:1 ، 2، 3) .
وكذلك أيام الفتن لا يثبت فيها إلا الصادقون العالمون العاملون ، وهم الذين يشرفهم الله عز وجل بنصره ، ويمكن لهم في الأرض ، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين .
حقيقة الصدق:
إن حقيقة الصدق أوسع من كونها الصدق في الحديث فقط ، وإنما حقيقة الصدق شاملة لصدق النية والعزيمة، وصدق اللسان ، وصدق الأعمال ، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال وفي الأعمال كقول النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (( كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، فهو مدرك ذلك لا محالة ، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع ، واليدان تزنيان وزناهما البطش ، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) ) [5] .
ويفصّل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى القول في هذا المعنى فيقول: ( والإيمان أساسه الصدق ، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر ) [6] .
وأخبر سبحانه: أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه قال تعالى: (( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جناتِ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداْ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوزٍ العظيم ) ) [7] .
وقال تعالى: (( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ) [8] .
فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله ، والصدق إنما يكون في هذه الثلاثة:
فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد ،
والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الأخلاق ، واستفراغ الوسع وبذل الطاقة ، فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق ، وبحسب كمال هذه الأمور فيه ، وقيامها به تكون صديقيته ولذلك كان لأبي بكر
الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة سنام الصديقية فسمي ( الصدّيق ) على الإطلاق ، و ( الصدّيق ) أبلغ من الصدوق ، والصدوق أبلغ من الصادق ، فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص للمُرْسل ) .
الفرق بين الصدق والإخلاص: