فهرس الكتاب

الصفحة 25405 من 27345

الصدق والإخلاص عملان قلبيان من أعظم أعمال القلوب ، وأهم أصول الإيمان ، فأما الصدق فهو الفرقان بين الإيمان والنفاق ، وأما الإخلاص فهو الفرقان بين التوحيد والشرك في قول القلب واعتقاده أو في إرادته ونيته والأعمال التي رأسها وأعظمها ( شهادة أن لا إله إلا الله ) لا تقبل إلا بتحقيق الصدق والإخلاص .

ومن هنا كان الصدق والإخلاص شرطين من شروطها ، ولذلك كذّب الله المنافقين في دعوى الإيمان، وقول الشهادة لانتفاء الصدق ، فقال: (( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ) [9] ، وقال: (( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) [10] .

كما أبطل سبحانه زعم أهل الكتاب والمشركين أن دينهم هو الحق بانتفاء الإخلاص فقال: (( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) ) [11] ، إلى أن يقول: (( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) ) [12] .

والصدق والإخلاص مع تقاربهما ترادفهما أحيانًا يميز بينهما بتعريف ضد كل منهما: فالصدق ضده انتفاء إرادة الله بالعمل أصلًا ، كمن آمن وصلى كاذبًا ولم يرد الإيمان والصلاة ، وإنما فعل ذلك لسبب آخر ، كما فعله المنافقون حفظًا لأنفسهم وأموالهم من السيف ، وجبنًا عن تحمل أعباء المواجهة الصريحة للإيمان .

والإخلاص ضده انتفاء إفراد الله بالإرادة والتوجه كمن آمن أو صلى صارفًا

ذلك لأحد مع الله ، وهذا هو الشرك الذي وقع فيه أكثر العالمين ، وعلى قدر ما يحقق العبد الإخلاص لربه يكون ترقيه في ( المخلصين ) الذين صرف الله عنهم غواية الشياطين وأثنى عليهم في كل أمة » [13] .

[1] البخاري ، كتاب الإيمان ، ج24 الطبعة الأولى ، ص14 ، مسلم كتاب الإيمان ، الطبعة الأولى ، طبعة دار الكتب العلمية .

[2] رواه الإمام الحاكم وضعفه الألباني .

[3] البخاري ، كتاب الأدب ، ج3 ص59 ، طبعة إستانبول ؛ مسلم كتاب البر ، ج2 ص438 ، طبعة الكتب العلمية .

[4] سبق تخريجه في رقم (5) .

[5] البخاري (10/22) كتاب الاستئذان .

[6] مدارج السالكين ، 2/269 .

[7] سبق تخريجها في رقم (2) .

[8] الزمر: 33 .

[9] المنافقون: 1 .

[10] العنكبوت: 3 .

[11] البينة: 1 .

[12] البينة: 5 .

[13] ظاهرة الإرجاء في الفكر المعاصر ص 438 .

نظرات تربوية في خلق الصدق

الصفحة 2 لـ 3

على ضوء ما سبق في الحلقة الأولى يتضح للقارئ الكريم أن الصدق أنواع ومراتب تتجلى فيما يلي:

1-صدق النية:

وذلك بأن تكون النية خالصة لله عز وجل وابتغاء مرضاته ، وأن لا يكون هناك باعث في الحركات والسكنات إلا مرضاة الله عز وجل ، فإن شاب النية شيء من حظوظها لم تكن صادقة ، وإن تكلم العبد بلسانه خلاف ما في قلبه فهذا أيضًا دليل على عدم الصدق في النية ، والأدلة في ذلك كثيرة منها قوله تعالى في وصف المنافقين: (( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) ) [الفتح: 1] .

وقوله تعالى: (( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ) ) [ هود: 15 ، 16] .

ومن الصدق في النية: الصدق في العزيمة على الفعل إذا تمكن منه ، لأن النية قد تكون صادقة ، لكن العزيمة على الفعل ضعيفة وصاحبها متردد ، وقد تكون العزيمة صادقة ، لكن إذا جد الجد ، وعزم الأمر ، وهاجت الشهوات خارت وضعفت ، ولم يحصل الوفاء بالعزيمة ، وقد لا تضعف في البداية لكن إذا باشرت الفعل وذاقت مرارته ضعفت وخارت ، والموفق من وفقه الله تعالى وأمده بعونه

ورحمته ، ولو وكل العبد إلى نفسه ضاع وهلك ، فيا حي يا قيوم برحمتك نستغيث ، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدًا .

2-الصدق في الأقوال:

وذلك لا يكون إلا في الأخبار ، أو ما يتضمن الإخبار ، والخبر إما أن يتعلق بالماضي فلا يخبر عن الأشياء على خلاف ما هي عليه ، أو بالمستقبل كالوفاء بالوعد والعهد [1] .

وهذه المرتبة من الصدق هي التي يحصر كثير من الناس الصدق فيها ، ولا يتجاوزونها إلى غيرها ، ولا شك أنها مرتبة عظيمة وتكميلها من أعز الأمور وأشقها على النفس ، ولكنها يسيرة على من يسرها الله عليه ، وجاهد نفسه في تحقيقها .

صور من الصدق في الأقوال:

والصدق في الأقوال له صور عديدة منها:

أ- الصدق في نقل الأخبار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت