فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وعند هذا الحد، يحيل القرآن إلى المنهج القويم، والصراط المستقيم، وهو عبادة الله وحده، وعدم اتخاذ أنداد له، والإيمان بالقرآن، وما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، متحديا إياهم أن يأتوا بشيء مماثل لهذا المنهج ولو شيئا صغيرا، كسورة، أو آية واحدة كما في سور أخرى. ويتوعد الكفار بالمنهج الجديد، ويبشر المؤمنين به، ويفرق بين حال هؤلاء مع المنهج، وحال الكفار، بضرب مثل البعوضة من طرف الله، فالذين آمنوا، رغم صغر المثل، يؤمنون به، وأما الذين كفروا فيستهزئون به، محيلا إلى سبب ذلك، وهو أنهم ينقضون العهد بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله بوصله.
ومن هذه اللحظة تنطلق السورة في استرجاع بدايات المنهج، وأصوله الأولى، وذلك بتذكير الناس بأنهم أصلا كانوا أمواتا فأحياهم الله، وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه بكل شيء عليم.
وتتحدث السورة عن المراحل السابقة لخلق آدم، باعتباره حدثا سيكون له أعظم الأثر على الوجود، فلذلك تتساءل الملائكة ببعض الريبة، عن سبب هذا التغيير في حالة الكون، وأبدوا تنبؤا لمآله ومستقبله، وأنه سيصير إلى الفساد وسفك الدماء، كما تساءلوا لماذا لا يبق على حاله، وهم يسبحون الله ويقدسونه. أهناك غاية أخرى غير تلك الغاية، ومغزى ابعد من ذلك؟ فيجيبها الله بأن ذلك عائد إلى إرادته وعلمه.
وسرعان ما تتبين هذه الإرادة، وتنكشف حجب الغيب، عندما يعلم آدم الأسماء كلها، ثم يعرضها على الملائكة لتسميها فتعجز عن ذلك، وتنكشف لها مرتبتها عند الله، وبأنها لا تعلم كثيرا من علم الله. ولكن آدم يسميها، وينجح في ذلك ويسجد الله له الملائكة، تكريما له وتشريفا.إلا إبليس، فينكر هذا التفوق لآدم، ولا يعترف بخلافته للأرض، فيرفض السجود له، ويقف ندا له، ويجادل عن أحقيته هو لذلك.
قبل آدم، كان كل شيء هادئا، يسير بلا نزاع أو صراع، وبخلق آدم، واصطفائه، اتخذ كل شيء دوره ومغزاه، وأتيح للكون أن يسير في اتجاه وغاية، ليواصل صيرورته كما أرادها الله.
فقبل آدم، كان كل شيء هادئا، يسير بلا نزاع أو صراع، وبخلق آدم، واصطفائه، اتخذ كل شيء دوره ومغزاه، وأتيح للكون أن يسير في اتجاه وغاية، ليواصل صيرورته كما أرادها الله. وهكذا كان آدم وحواء، وكانت الملائكة، وكان الشيطان عدوا للجميع. وقبل هذا كان الشيطان مع الملائكة عابدا، وكان الجن، ولم يكن الكون قد اتخذ ربما أية غاية بعد. ولكن التجربة لم تنته، والتشكل لم يبدأ بعد، إذ لابد أن تكون هناك تجربة، يتفاعل فيها الجميع، في علاقات واكتشافات هي الأولى من نوعها في الكون، ليتخذ كل واحد دوره وهدفه، وليكون الجميع على بيان من الأمر. ولتوضيح هذه النقطة، سنتتبع تجربة آدم مع الملائكة أولا، ثم مع الشيطان في الجنة، لنعرف هدف هذه المرحلة من الخلق في إرساء المنهج.
1-تجربته آدم مع الملائكة:
حيث على آدم في هذه التجربة أن يكتشف خصائصه الفكرية والعقلية، وأنه ليس كالملائكة، فهو يستطيع الحصول على المعلومات، ويستطيع التسمية، التي تمثل عملية إضفاء خصائص على الأشياء، فيصنفها في مجموعات وكليات، ويستخلص منها نتائج وعبر، أي أنه أوتي القدرة على الاستقراء وجميع العمليات المعرفية الأخرى، وهو بهذا يختلف عنها في الخصائص والميزات، ويستطيع، بالتالي التعامل مع الكون والظواهر الطبيعية الأخرى، مما سيؤهله للقيام بوظيفة الخلافة، التي تساءلت الملائكة عن جدواها قبل هذا بكثير.
2-تجربته آدم مع الشيطان:
حيث سيكتشف جانبا آخر من جوانب شخصيته، ومكمن آخر فيه، وهو مكمن سلبي، ملئي بالشهوات والنزوات، وكانت رغبته في الخلود والتملك، هي الشهوة التي اكتشفها هناك، وهي تناقض عملية إطلاق الأسماء من قبل، لأنها شهوة تحتوي سائر الشهوات، فدله الشيطان لمعرفة تلك الخاصية فيه، والتي كانت مجهولة عنه، وهذه الرغبة إحساس من آدم بالنقص، وبأنه عما قريب سيزول، فربما نظر إلى الملائكة، بعد أن فاز عليها في تجربته، فألفاها خالدة لا تموت ولا تنقرض، فأحس بالنقص، وهذا ما نجده في آية أخرى، حين نبهه الشيطان إلى أنه لم ينه عن تلك الشجرة، إلا أن يكون ملكا أو مخلدا.
ولربما جاءه الشيطان نفسه، بعد أن فضله الله عليه بإسجاد الملائكة له، وجادله في أن الله أعطاه الخلود، مثلما تشير الآيات في سور أخرى كثيرة، من أن الشيطان قال: رب أنظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين.، فأحس آدم في نفسه نقصا، وتذكر الشجرة المحرمة عليه، فأكل منها هو وزوجه، فانتهكا الحرمة، وسقطا في المعصية، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.