فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ففي التجربة الأولى كافأه الله على تفوقه على الملائكة، فأدخله الجنة، وبالأكل فيها رغدا حيث شاء، إلا الشجرة. وفي التجربة الثانية، عاقبه الله بإخراجه منها، وأراه بما لا يدع مجالا للشك، أن أفعاله لها جزاء وحساب فمعرفته أدخلته الجنة، وشهوته أخرجته منها. ولكن لماذا هذه التجربة القاسية على آدم وزوجه؟
حتى يتعرف آدم على نفسه وخصائصها المختلفة عن المخلوقات الأخرى، وحتى يعرف الجوانب الكامنة فيه، وأنها جوانب خطيرة، يمكنها أن ترتفع به إلى درجة لا تصلها الملائكة حتى، كما يمكنها أن تهبط به إلى اسفل سافلين، وإلى مرتبة دون الشياطين، فهو ليس كالشياطين ولا الملائكة، ثابت لا يتغير، أو كائن لا يتأثر، بل هو غير ذلك، متحرك متأثر، متحول من حال إلى حال، ومن عرض إلى عرض، وبذلك عرف آدم شخصيته، وعرف خصائصه النفسية والعقلية والوجدانية، كما عرف مكانته بين الكائنات الأخرى التي كانت موجودة حواليه، والتي سيكون لها اشد التأثير على مستقبله في الدنيا والآخرة.
ولكن بقي لآدم شيء لا يعرفه بعد، وهو السبيل التي عليها أن يسلك حتى ينجو من غضب الله ومقته، والمنهج السليم الذي عليه أن يسلكه حتى يجتنب جزاء جهنم، ويفوز بالجنة، ولذلك، لم يتركه الله عند هذا الحد، صفر اليدين، بل أراه ما يجب عليه أن يفعله ليتوب. فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم. ولكن هذه الآيات لا تتعلق إلا بالوضع الذي طرأ عليه وهو أكله من الشجرة، ولذلك، قال الله له، قبل أن ينزل على الأرض: اهبطا منها جميعا، فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فهذا الهدى، هو الذي ستدور عليه سائر الآيات في سورة البقرة، تبيانا له وشرحا، ومن أنه المنهج الذي على آدم وسائر البشر أن يسلكوه، حتى يحققوا التجربة، ويفوزا بالجنة. (يتبع)
ثم انتقلت السورة إلى تبيان هذا المنهج، ليس بصفة نظرية أو فكرية، بعيدة عن حوادث التاريخ، أو متعالية عنها، ولكن من خلالها، ليتحقق المنهج عبرها، وينمو ويتطور أثناءها. وذلك من خلال تجارب الأمم السابقة العملية، وهم يتشكلون فيه، ويتفاعلون معه، فمنهم من حققه، ومنهم من أخطأه وحاد عنه.
وتبدأ السورة ببني إسرائيل مباشرة، لتدعوهم إلى الإيمان بالكتاب الجديد، وهو القرآن، والتصديق به، وهي فعلت ذلك لتخاطبهم، ليس كأمة ستبدأ تجربتها من جديد هذه المرة، ولكن من خلال الدعوة الجديدة وعبرها، لأن القرآن مهيمن على الكتاب، ومسيطر عليه، ولأنهم بقوا حتى تلك اللحظة، لازالوا ينتظرون، ويستفتحون على الكافرين بالرسالة الخاتمة، فخاطبتهم كذلك، فكأن الله تجاوز عن جميع ما بدر منهم كأمة، من نقض للميثاق والعهد، والتنصل من التعاليم، وقتل الأنبياء، فدعاهم قائلا: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون 40 وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به، وإياي فاتقون 41} وذلك لسبق معرفتهم بالمنهج، وبقائه فيهم ميراثا وتعاليم، تتناقله أجيالهم، وتخفيه عن الناس، فدعتهم إلى الإيمان بالقرآن، وألا يكونوا أول كافر به، لأنه جاء مصدقا لما معهم من التوراة.
القرآن لا يصادر تجربة إنسانية، أو يطويها طيا، خاصة إذا كانت متعلقة بالمنهج الكلي الذي سيرسيه الله سبحانه وتعالى، فليس المهم موقف اليهود من المنهج، وإنما التنبيه على أن المنهج كلي، والطريق واحد، و التحريفات التي تطاله، ليست بشيء، ولن تقف في وجهه.
وهنا نجد عظمة من عظائم القرآن، وميزة من أهم مزاياه، ذلك أننا عندما نلاحظ السورة وهي تذكر بني إسرائيل كثيرا، وتدعوهم إلى الإيمان من جديد، وتذكر الأفضال عليهم، نستغرب أشد الاستغراب، ونتعجب أشد العجب، فقد كان يمكنه أن يطويهم في مجاهل التاريخ، ولا يذكرهم أبدا، أو يذكرهم ذكرا يسيرا، مع عداوتهم وكفرهم. ولكن القرآن لا يفعل ذلك، ويمضي في ذكرهم، فالقرآن لا يصادر تجربة إنسانية، أو يطويها طيا، خاصة إذا كانت متعلقة بالمنهج الكلي الذي سيرسيه الله سبحانه وتعالى، فليس المهم موقف اليهود من المنهج، وإنما التنبيه على أن المنهج كلي، والطريق واحد، و التحريفات التي تطاله ليست بشيء، ولن تقف في وجهه.
ثم تمضي السورة في تعداد فضائل الله عليهم ونعمه، وأخطائهم وتجاوز الله عنهم من الآية 49 إلى 74، مبتدئة بنجاتهم من فرعون ومن عذابه، ومنتهية إلى حادثة البقرة الشهيرة، التي أنبأت عن حقيقتهم وشخصيتهم. فقد فضلهم الله على العالمين، وميزهم عن سائر الأمم، بالمعجزات والخوارق، والمن والسلوى، في خطاب لين، وحديث سلس، حتى يؤمنوا، في فرصة أخرى أعطيت لهم، وحظ جديد لا يماثله حظ، وهذا من حب الله لهم، ورأفته بهم، حتى يؤمنوا بالقرآن المصدق لما معهم.