فهرس الكتاب

الصفحة 25436 من 27345

فلما يعدد الله تلك الميزات والخصائص، يلتفت القرآن إلى المؤمنين، قائلا لهم: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون75 } ومن هذه الآية، تبدأ السورة في تشنيعهم وإبراز حقدهم الدفين، ومساوئهم التي لا تنتهي، بالحديث عن الميثاق الذي خانوه،و العهود التي نقضوها، وجدالهم مع أنبيائهم، وقتلهم إياهم، وإفكهم على الناس، ثم يذكر السورة ذلك العهد الذي أخذه الله عليهم من الآية 73 إلى الآية 75: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون غلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون 83 وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون 84 ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون 85} .

ثم ينتقل الله إلى الحديث عن أسباب هذه الخيانة، وأنها راجعة إلى ارتباطهم الشديد بالدنيا، وطبيعة نفوسهم الشنيعة، التي تأبى الحق وتهوى الباطل، وذلك بالمقارنة بين موقفهم من جبريل الذي يتنزل بالكتاب، وبين هاروت وماروت الذين تنزلا بالسحر، واتباعهم لما تتلوا الشيطان على ملك سليمان، فهم مع عداوتهم لجبريل لنزوله بالحق والكتاب، يتعلمون من الملائكة أيضا ما يضرهم ولا ينفعهم، وهذه المقارنة بين جبريل ومكائيل، وبين هاروت وماروت تبين لهم خاصيتهم الرذيلة، ونفوسهم المريضة، فهم معبرون حقيقة عن تلك الأصناف من الناس الذين يذكرهم الله في بداية السورة، فهم أشبههم بهم، مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون.

و على كل نستطيع أن نجمل هذه المرحلة المهمة من السورة، في عناصر مهمة، هي:

-استرجاع التجربة الإسرائيلية، ضمن المنهج الجديد، بدعوتهم إلى الإيمان، في حظ جديد وفرصة أخرى منحت لهم.

-تذكيرهم بفضل الله عليهم، والمعجزات التي أنزلها عليهم، وتجاوزهم عن أخطائهم.

-تصريح القرآن بعدم جدوى هذه الدعوة، واستحالتها، أو صعوبة تحققها.

-ذكر السبب في ذلك، ومن أنه عائد إلى الخصائص النفسية والثقافية لهذه الأمة، خاصة قدرتهم على تحريف الكتب المنزلة عليهم، وتجرئهم على ذلك.ونبذهم للميثاق الذي أخذه الله منهم.

-تمسكهم المزيف بدينهم المحرف، كلما دعوا إلى الإيمان بالمنهج الجديد.

وباختصار، فإنه من الآية 49 إلى الآية 104 تستعرض السورة تجربة بني إسرائيل بالتفصيل، مازجة بين حالهم مع موسى وحالهم مع المؤمنين، في مقارنة تنتهي بالا جدوى من دعوتهم، وأن الحظ الجديد الذي أعطوه، لا يستحقوه أبدا، وبداية من الآية 104 يبدأ التحول عنهم كأمة، إلى التجربة الإسلامية الوليدة، والمنهج الجديد، في لحظة يبدو فيها وكأن القرآن يتأسف عليهم، عندما يقول: { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من الله خير لو كانوا يعلمون103} . في حالة من اليأس منهم، والإعراض النهائي عنهم، لما كرروه من الأخطاء مع التجربة المحمدية، فكأنهم هم هم، لم تنفعهم كل قرونهم التي عاشوها، وكل التجارب التي مروا بها.

-من بني إسرائيل إلى الأمة الخاتمة:

و انطلاقا من هنا، سيبدأ بناء الأمة الجديدة، والمنهج القويم، وذلك بأمر الله أن للمؤمنين أن يخالفوا اليهود في كل شيء، حتى في القول، فيأمرهم ألا يقولوا راعنا، وأن يقولوا انظرنا: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم الآية 104 } مذكرا أنه كلما نسخ آية وتجربة ن كلما جاء بمنهج أقوم وأصلح، كما يأمرهم بألا يسألوا رسولهم كما سأل اليهود موسى عليه السلام: أم تودون أنه تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ظل سواء السبيل.موجها إلى أن لا يصغوا إلى تحريفاتهم الباطلة، وأن يجتنبوا الوقوع فيما وقعوا فيه من أخطاء، أو تناحرهم مع بعضهم البعض، أو منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه والسعي في خرابها. وغير ذلك من التوجيهات، محذرا الرسول من اتباع أهوائهم، ومرشدا إياه إلى خير من ذلك، وهي الحنيفية الإبراهيمية: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين24} ، محيلا إلى أن الأمة الجديدة، هي ثمرة دعوة إبراهيم وإسماعيل. مقرا كونه مرجعية وحيدة للأمة الجديدة، والقاعدة الأساس التي ستبنى عليها. ونافيا عنها التحريفات التي لحقتها من طرف اليهود، ومطهرا إياها منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت