فهرس الكتاب

الصفحة 25470 من 27345

فقد قال - تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30) ، وقال - تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} (البقرة: 213) .

[قال ابن كثير - رحمه الله:"فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية، ملة إبراهيم، التي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فالله - تعالى - فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"أهـ.

للعلماء في تفسير {لا تبديل لخلق الله} قولان:

الأول: أنها خبر بمعنى الطلب، أي لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم.

الثاني: أنها خبر على بابه، وهو أنه - تعالى - ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بينهم في ذلك. وفسر البخاري قوله {لا تبديل لخلق الله} فقال: لدين الله، واستشهد بأن قوله - تعالى - {خُلُق الأولين} يعني دين الأولين، ثم قال:"والفطرة: الإسلام"] .

وقال - تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} … (يونس: 19) في هؤلاء الآيات الكريمات دلالة على أن الدين الحنيف هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وذلك هو الدين القيم الذي كان الناس عليه قبل الاختلاف، وذكر المفسرون في تفسير قوله - تعالى: {كان الناس أمة واحدة} أن الناس بقوا عشرة قرون على الدين الحق قبل حدوث التغيير وطروء الشرك. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟"ثم يقول أبو هريرة - رضي الله عنه - اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} الآية) ... (متفق عليه) "

قوله - صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود"أي ليس مولود من بني آدم"إلا يولد على الفطرة"أي الخلقة الإسلامية، والمراد الدين، كما في قوله - تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، وهذه الفطرة، قيل: هي الإيمان المعهود الذي أخذ الله به على بني آدم الميثاق يوم قال لهم: {ألست بربكم؟ قالوا: بلى} وإليها يشير قوله - تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} أي: اثبت على إيمانك القديم الواقع منك في عالم الذر يوم قال - تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟ … (الأعراف: من الآية172) وهذه الفطرة هي فطرة الإسلام والسلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة، فإن حقيقة الإسلام أن يستسلم العبد لله لا لغيره، وهو معنى"لا إله إلا الله"، فالقلوب مفطورة على الافتقار إلى الله، وهي لا تقنع بمحبوب سواه ولا تطمئن ولا تطمئن إلا إليه، فإذا أحبت الله - عز وجل - ووحدته؛ سكنت؛ واطمأنت الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)

[ويؤيد تفسير الفطرة بالإسلام ما يلي:

أولًا: الروايات المختلفة الألفاظ المتفقة المعاني، والتي يفسر بعضها بعضًا، مثل: (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة) ، وفي أخرى: (إلا على هذه الملة) كما في"صحيح مسلم"رقم (2658) .

ثانيًا: قول أبي هريرة في آخر الحديث: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} مما يفيد أنه فسر الحديث بالآية وقد حكى أبو عمر بن عبد البر إجماع العلماء على أن المراد بالفطرة في الآية: الإسلام.

ثالثًا: فتوى أبي هريرة - رضي الله عنه - حين سئل عن رجل عليه رقبة مؤمنة، أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ فقال:"نعم، لأنه ولد على الفطرة"أي الإسلام، وقال ابن شهاب الزهري:"يصلي على كل مولود متوفى وإن لغية؛ ـ أي من ولد الزنا ـ من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام"، وأفتى الزهري رجلًا عليه رقبة مؤمنة أن يعتق رضيعًا لأنه ولد على الفطرة، وقال الإمام أحمد:"من مات أبواه وهما كافران، حُكم بإسلامه"، واستدل بحديث:"كل مولود يولد على الفطرة".

رابعًا: أن في قوله:"فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه"ذكر تغيير الفطرة إلى ملل الكفر دون ملة الإسلام، فعلم أنه يتحول عن الإسلام إلى غيره، بفعل الأبوين أو غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت