فهرس الكتاب

الصفحة 25469 من 27345

وهل يخطر في بال عاقل أن يكون هذا المخلوق المكرم، المعلم للأسماء كلها، لم يعرف الله - تعالى - وما يجب له وما يجوز في حقه، وما هو واجب العبد تجاهه، وهو يرى الملائكة يسبحون الله ويحمدونه، لا يفترون، مع أن الله - تعالى - أمره، ونهاه، وحذره هو وزوجه عندما أمرهما بسكنى الجنة والأكل منها حيث شاءا، إلا شجرة واحدة، نهاهما عنها، وحذرهما عاقبة قربها، كما أخبر - تعالى - آدم - عليه السلام - بعدوه وعدو زوجه، إبليس ـ لعنه الله ـ وأن مغبة إطاعته، خروجهما من الجنة، وحصول الشقاء لآدم ـ علبه السلام ـ قال - تعالى: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} ... (طه: 117) ولم يعص اللهَ - تعالى - آدمُ - عليه السلام - متعمدًا، قال - تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} ... (طه: 115) وقال - تعالى - فيما حكى من فعل إبليس: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ... (الأعراف: 21 22)

وبعد مخالفة آدم وحواء نهي الله - تعالى - لهما، وطاعة عدوهما، وحصول ما حصل نتيجة المعصية من بُدُو السوأة والغواية، قال - تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} … (طه: 121) أدرك آدم وحواء بعد الوقوع في المنهي عنه أثر المعصية، فندما على ما حصل وتوجها إلى الله - تعالى - طالبين مغفرته ورحمته معترفين بالذنب، وبظلم النفس.

قال - تعالى - مخبرًا عنهما: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} … (الأعراف: 23) وقال - تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} … (البقرة: 37) وتلك الكلمات التي تضرع بها إلى الله - تعالى - توبة وإنابة لا تكون إلا بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وهي طريق دعائه، ومناجاته، وكان هذا قبل أن يهبطه الله - تعالى - إلى الأرض كما هو رأي بعض العلماء.

وبعد أن أهبطه الله - تعالى - إلى الأرض، ذكره بعداوة إبليس له، وأنه مصدر شر له، وأن هداه وصلاحه لا يكون إلا من الله - تعالى -، قال - تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه: 122 124) وقال - تعالى - حاكيًا قول إبليس: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} … (ص: 82 83) … ["العقيدة نبع التربية"ص (75 78) بتصرف] .

الحقيقة الثانية:

أن كل مولود يولد على فطرة التوحيد[معنى الفطرة لغة: هي من"فطر الشيء يفطره"يشقه، وتَفَطر: تشقق، فالفطر: الشق، وجمعه فطور، ومنه فطر ناب البعير، إذا طلع، وفي التنزيل قوله - تعالى: {إذا السماء انفطرت} أي: انشقت، وفي الحديث عن عائشة - رضي الله عنها: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه) … (رواه البخاري) . والفطر: الابتداء والاختراع، قال - تعالى - {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} … (فاطر: 1) أي خالقهما ومبتدئهما، وقال بن عباس - رضي الله عنهما -"كنت لا أدري ما {فاطر السموات والأرض} حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا بدأتها".

الفطرة اصطلاحًا: وردت الكلمة في القرآن الكريم في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، ووردت في التنزيل بصيغ أخرى غير الصيغة المصدر، ترجع معانيها إلى الخلق و الابتداء والتشقق، وهي معانيها اللغوية كما تقدم، والصحيح الذي تؤيده الأدلة أن الفطرة اصطلاحًا هي: الإسلام]

لقد دلتنا قصة آدم - عليه السلام - على أنه كان على عقيدة التوحيد، ودل القرآن الكريم والسنة النبوية أن هذا لم يكن خاصًا بالإنسان الأول آدم - عليه السلام -، وإنما هو عام في كل مولود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت