فهرس الكتاب

الصفحة 25530 من 27345

بعد هذا العرض المتواضع لبعض دلالات نظرية المقاصد التي تساعدنا نسبيا في تاريخية تشكلها وبنيتها وتحديد قيمتها العلمية، تبين أن العوامل التي تظافرت وشكلت"العامل المعرفى"الذي دفع بنظرية المقاصد إلى التشكل والتطور يكمن في عامل التطور الداخلي للفكر الأصولي، والعامل الاجتماعي الذي شكل محفزا من هلال المشكلات التي طرحها في وجه المنهج الصولي واضطره للبحث عن آليات جديدة ومنهج جديد لحل تلك الإشكالات.

كما أن هذه النظرية يتعطل فهمها بدون فهم العلاقات البنائية الوثيقة التي تربطها بأصول الفقه وإشكالياته، كما أن المحتوى المعرفي لهذه النظرية لا يلائم إلا الغاية التي ساهمت في قيام النظرية نفسها، وهي تطهير علم الأصول.

ولقد تحقق تحول كبير يمكن أن يعتبر"نقلة معرفية"حين نستحضر مسار التطور التارخي لعلم الاصول، بحيث كانت بدايته الحاسمة مع الإمام الشافعي في كتابه"الرسالة"، ثم تأتي محطة أخرى شيدها الإمام الجويني والغزالي بمناقشة الأصول في إطار النظم المنطقية، وبعدها تأتي المر حلة الثالثة التي تتمثل في المقاصد التي بدأت حسب بعض التحقيقات التاريخية مع العز بن عبد السلام ثم الشاطبي وأخيرا إبن عاشور وعلال الفاسي والجيل الحديد من الباحثسن المعاصرين.

قد لا تكون الأدلة العلمية لدينا واضحة حول قيمة هذا التطور، لكن نستطيع أن نبين من خلاله فكرة مهمة وهي إثبات طبيعة التطور نفسه، بمعنى أنه لا يمكن أن تصمد أدلة الذين يرفضون قيام عمليات التجديد في آّليات هذه العلوم. هذا الموقف يتعارض مع طبيعة هذه العلوم نفسها، لأن هذه الأخيرة تخضع لمبدأ تاريخانية الأفكار.

وأعتقد أنه إذا فهمنا هذه الحركة الخفية نتمكن من فهم مشروعية وضرورة تطوير كثير من المناهج والأدوات التي نستعملها لفهم خطاب الوحي والواقع، لكن فلسفة هذا التطور العلمي توصف بأنها تواصلية لا إنقطاعية، بعبارة أخرى أن التطوير يلزم أن يكون مبنيا على المتراكم قبليا من الفكر. بهذا المفهوم ننظر إلى نظرية المقاصد على أنها مشروع معرفي جزئي مرتبط بإشكاليات ظهرت في مرحلة معينة من صيرورة الفكر الإسلامي، قد تكون غير مستمرة في وقتنا الحاضر أو معلومة، لهذا فإن اعتبارها منهجية كلية عامة يمكن العمل بها في العلوم الأخرى فيه نوع من المغالطة، لكن تبقى الاستفادة منها مشروعة علميا و ضرورية تفرضها القواعد التي تنظم المعارف في داخل المنظومة الإسلامية العلمية.

هذا أما إذا أردنا أن نفهمها بحجم ذلك الاتساع، فأعتقد أن الموقف الذي ذهب إليه طه عبد الرحمان هو الأصح، بمعنى أن شمولية منهجية المقاصد تظهر فقط من زاوية الجانب القيمي والأخلاقي. فإذا كانت كما عبر عنها بأنها محاولة إدماج علم الأخلاق في علم الأصول، فإنه لا يوجد مانع منهجي لإحداث نفس العملية في العلوم الأخرى. وفي هذا السياق يكون طرح موضوع علاقة النظرية بالعلوم الإنسانية طرحًا بناءا، أما محاولة تطبيقها ميدانيًا لحل المشكلات الحديثة المعقدة، فإن هذا يدل على"ذهول منهجي"في البنية الحقيقية للفكر والواقع معًا.

وهكذا يمكن أن نصل إلى نتيجة تركيبية تجعل نظرية المقاصد"نظرية جزئية في المعرفة"تخص علم أصول الفقه، ونظرية أخلاقية عامة يمكن إدراجها في مختلف العلوم مع إبقاء إمكانية الإستفادة الجزئية من بعض مضامينها العلمية التي تخص فلسفة المعرفة بصفة عامة. والله أعلم ,,,

قائمة المصادر والمراجع:

1-أبو إسحق الشاطبي، الموافقات في أصول الفقه، ط1،دار الكتب العلمية، 1991م.

2-محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسيةللتوزيع، 1978.

3-محمد عابد الجابري، التراث و الحداثة، مركزالدراسات العربية، بيروت، 1991.

4-محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مركز الدراسات العربية، 1991 .

5-طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ط1، المركز الثقافي العربي، المغرب، 1994

6-عبد المجيد الصغير، الفكر الأ صولي و إشكالية السلطة العلمية في الإسلام، ط1، دار المنتخب العربي، بيروت، 1994 .

(1) عبد المجيد الصغير،المرجع السابق،ص131.

(2) الشاطبي، الوافقات، ج1، ص16.

(3) عبد المجيد الصغير،المرجع السابق،ص131.

(4) عبد المجيد الصغير،المرجع السابق،ص131.

(5) الشاطبي،الموافقات،ج1،ص24.

(6) الشاطبي،الموافقات،ج3،ص5 إلى 9.

(7) عبد المجيد الصغير،المصدر السابق،ص116.

(8) الشاطبي، الموافقات،ج2،ص6.

(9) نفس المرجع،ص25.

(10) نفس المرجع،ص25.

(11) نفس المرجع،ص26.

(12) عبد المجيد،المرجع السابق،ص472.

(13) نفس المرجع،ص27.

(14) نفس المرجع،ص29.

(15) الجابري،بنيةالعقل العربي،ص554.

(16) الجابري، التراث و الحداثة، مركز الدرسات الوحدة العربية،1991، ص210.

(17) الجابري،نفس المرجع،ص211.

(18) طه عبد الرحمان، المرجع السابق،ص97.

(19) نفس المرجع،ص97.

(20) نفس المرجع،ص97، 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت