فهرس الكتاب

الصفحة 25529 من 27345

والشاطبي في نظامه المقاصدي إنما يسعى إلى تأسيس المصلحة في مفهومها الثاني لأنها تمثل أكمل وجه يمكن أن يتحقق فيها، يقول:"المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح العادية أو درء المفاسد العادية (13) ".

بهذا يتبين لنا اتجاه المشروع المقاصدي في تحديد مفهوم خاص بالمصلحة والتي يعتمد عليها كوسيلة أساسية لإصلاح الفوضى الإجتماعية الناتجة عن غموض دلالاته التي يجب أن تكون مطابقة للوحي. هذا المقصد هو الذي تسعى إليه النظرية لتأسيسه في نظام صارم دقيق يحدد معالمه النظرية وتطبيقياته في الفضاء الإجتماعي الذي يشغله.

المبحث الرابع: القيمة المعرفية لنظرية المقاصد.

بصفة عامة إن الإتجاهات التي تناولت مبحث المقاصد بالتحليل والنقد يمكن حصرها في اتجاهين؛ الاتجاه الأول يعتبر المقاصد جزئا متميزا من أصول الفقه فينضم بذلك إلى الأقسام الأخرى كقسم الأدلة وقسم الأحكام (14) ، أما الإتجاه الثاني فهو الذي ينظر إليها باعتبارها نظاما كليا جديدا يحمل مميزاته الذاتية القادرة على إحداث"قفزة معرفية"علمية، تحدث تغييرات جذرية في مفاهيم المعرفة، وذلك مثلًا من خلال آلية"الكلية والجزئية".

ظهرت في هذا الاتجاه الثاني وجهات نظر متعددة تؤكد مرة أخرى الكلام الذي ذهبنا إليه في المقدمة بأن نظرية المقاصد يجب النظر إليها وتقييمها بمعيار"العامل المعرفي"الذي تدخل في تركيبه عوامل عدة مشكلة"عقبة معرفية"، وتجاوز هذه الأخيرة هو المبدأ الذي يقوم علية معيار التقييم.

فقد ذهب عابد الجابري إلى اعتبار المقاصد نقلة في النظام المعرفي بالمعنى الذي يعتبر فيه أنه علم يخرج أحكام الفقه من المعالجة البيانية إلى التنسيق البرهاني (15) . وهو يستند في ذلك إلى بعض المحاولات التي سعى الشاطي لبنائها، ومثال ذلك، مفهوم المعقولية التي يريد إضفائها على الأحكام الشرعية بناءا على مفهوم القطع. هذه العملية حسب الجابري توازي تشكل اليقين في العقليات، إذ يقول:"كيف يمكن بناء معقولية في الشرعيات على القطع وهو يوازي اليقين في العقليات ونحن نعلم أنها تعتمد النقل وليس من إنشاء العقل؟ يجيب الشاطبي إن ذلك ممكن جدا إذا نحن اعتمدنا على الطريقة البرهانية فبنينا أصول الفقه على كليات الشريعة وعلى مقاصد الشرع، وإن كليات الشريعة تقوم مقام الكليات العقلية في العلوم النظرية، أما مقاصد الشرع فهي السبب الغائي الناظم للمعقولية (16) ".

بل يذهب الجابري إلى أبعد من ذلك، حين حاول أن يكشف عن هذه العلاقة بعد بيان أنواع المقاصد التي حددها الشاطبي وهي أربعة: المصلحة والفهم والتكليف وإخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبدا لله إختيارا كما كان عبدا لله إضطرارا. قال:"وما يهمنا منها هنا هو علاقتها ببناء المعقولية في ميدان الفقه، فهي لها علاقة بالأسباب عند أرسطو وهي أربعة كذلك، هل نطابق مثلا بين السبب المادي وبين قدرة المكلف، وبين السبب الصوري ومعهود العرب، وبين السبب الفاعل وإخراج المكلف من داعية هواه، وبين السبب الغائي ومصالح العباد؟ لنكتف بالقول أن نموذج المعقولية في الطريقة البرهانية خلال القرون الوسطى كان نموذج أرسطو، ولذلك فليس غريبا أن نجد ملامح هذا النموذج في كل محاولة لإفضاء المعقولية على البناءات الفكرية، سواءا منها ما له طابع فكري كالعقليات عند ابن رشد أو ما يؤطر العقل كأصول الفقه عند الشاطبي (17) ".

أما طه عبد الرحمن فذهب إلى رأي مخالف، نظر فيه إلى المقاصد على أساس أنها نظرية عامة تقدم الجانب القيمي اللازم توفره في تأسيس علم ما تأسيسا"شرعيا". ويرد قول الجابري بحجة يوضحها في قوله"لأننا سوف نرى أن المضامين المقصدية تندرج في نظام معرفي أنزله الجابري مرتبة هي دون مرتبة البيان، إذ ينكشف على أنها مضامين عرفانية، فيكون الانتقال الذي حصل في علم الأصول ليس انتقالا إلى الأفضل أي إرتفاعا في القيمة العلمية كما إدعى هذا النقد، بل إنتقالا إلى الأخس (18) ". ويرى أن هذه النظرية شاملة إذا ما حاولنا أن نستقرئ فيها الأبعاد الأخلاقية في دلالتها النسقية، حيث يقول:"وحاصل الكلام في الأوصاف الأخلاقية للمقاصد الشرعية أي أن المقصود الشرعي معنوي وفطري، وأن القصد إرادي وتجريدي، وأن المقصد حكمي ومصلحي، علما بأن المصلحة هي المحل المعنوي لتحقيق الصلاح، وعلى هذا يكون علم المقصد هو الصورة التي اتخذها علم الأخلاق للإندماج في علم الأصول (19) ".

بعد هذا يختم طه عبد الرحمن تصوره قائلا:"وما الشاطبي عندنا إلا أب التداخل بين علم الأخلاق وعلم الأصول، فاتحا بذلك طريقا في بناء العلم الإسلامي على أسس التنسيق المتكامل الذي لا نعلم له نظيرا في السابق ولا في اللاحق (20) ".

خاتمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت