فهرس الكتاب

الصفحة 25528 من 27345

ولعله من المهم الإشارة إلى أن القطبين الذين يكوّنان آلية الإستقراء يدوران بين ما سماه كليات الشريعة وبين جزئياتها، والشاطبي في تحديده النظام الذي يحتضنه كان في قمة الذكاء والعبقرية، إذ في الوقت الذي يؤكد أن الكلي نصل إليه عن طريق الحالات الجزئية، يبيّن في الوقت نفسه أن الكلي له سلطة أقوى من تلك الجزئيات، فخرم هذه الأخيرة لا يؤدي أبدا إلى انهيار القضايا الكلية. بالرغم من أن هذا قد لا يتناسب مع الفقه الذي تدور مباحثه حول أفراد جزئية، فإن هذه المقولة يبقى لها أثر معرفي هام قد يساعد على اكتشاف نظام جديد لمنهجية الإستقراء. وهذا التوجه يخالف ما ذهبت إليه الإبتسمولوجيا المعاصرة خاصة في نظرية بوبر"الدحض والتكذيب"التي تقر أنه بمجرد مخالفة عينة واحدة للقضية الكلية فإن القيمة العلمية لهذه الأخيرة تسحب منها.

وفي هذه النقطة يقول الشاطبي مبينا نظامه الاستقرائي:"وكانت الجزئيات هي أصول الشريعة فما مستمدة من تلك الأصول الكلية - شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات - فمن واجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات ... إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها فمن أخذ بالنص مثلا في جزء معرضا عن كلي فقد أخطأ، كذلك من أخذ بالكلي معرضا عن الجزئي" (5) .

والحاصل أنه لا بد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها وبالعكس، وهو منتهى نظر المجتهدين بالإطلاق ... وما قرر في سؤال على الجملة صحيح، إذ الكلي لا ينخرم بجزئي ما، والجزئي محكوم عليه بالكلي، لكن بالنسبة إلى ذات الكلي والجزئي لا بالنسبة للأمور الخارجية""لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت (6) .

2.مفهوم المصلحة:

يأخذ مفهوم المصلحة موقع المركز (7) في نظرية المقاصد، إذا كان معتبرًا من جانبين؛

الجانب النظري نشأ حين ناقش الشاطبي خطاب الوحي وأعتبر أن"وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، وهذه الدعوة لابد من إقامة البرهان عليها صحةً أو فسادًا ... والمعتمد انما هو أن المقر بين من الشريعة انما وضعت لمصالح العباد إستقراءً لاينازع فيه الرازي (8) ."هذا الحصر للشريعة في تحقيق المصالح تجعل تحديد مفهوم المصلحة في المستويات المختلفة - الفردية والجماعية - من المباحث الأساسية التي يجب أن نحدد معالمها.

أما الجانب العلمي، فإنه يتشكل من الوجه الذي يدل على أحد المفاهيم التي تشكل بنيوية التفاعل الإجتماعي وحركته. إذ تفهمه في إطار النظام الشامل الذي يصوغ"الوعي الجماعي"لمجتمع بوجه الذي يساعد على قيام محاولة الإصلاح فيه. بعبارة أخرى، أن تنظيم تحقق هذا المفهوم واقعيًا بين الأفراد والجماعات، خاصة في الفضاء الإجتماعي، الذي تتداخل فيه سلطات متباينة في اتجاه الصراع و المنافسة -التي ميزت المجتمع الاسلامي في فترات متعددة من تاريخ تطوره حتى الاّن -تمثل في الحقيقة نصف مشروع المقاصد.

نتيجة لطبيعة التموقع الدلالي الذي شغله هذا المفهوم أولى الشاطبي له إهتماما خاصا، بحيث بيّن فيه مختلف جوانب التداخل الدلالي، والفهم الذي يمكن أن يحصل من هذا المصطلح، معتمدا في ذلك على عمليات التقسييم والترتيب.

وقد عرف الشاطبي المصلحة قائلا:"وأعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق حتى يكون منعما على الإطلاق (9) ."

ولم يقف عند الحد الذي كان الجانب المادي فيه بارزا، بل ذهب إلى بيان التمييز بين أنواعها، وقسم المصلحة إلى قسمين؛ القسم الأول مصلحة تتعلق"بمواقع الوجود"وهي مصلحة إضافية نسبية غير ذاتية نتيجة لتداخلها مع المفسدة، فحسب قوله"هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين والاختلاط بين القبلتين ولهذا قال تعالى:"ونبلوكم بالشر والخير فتنة". ولما كان الأمر كذلك فالتمييز بينهما حسب رأيه يقوم على قاعدة"الفهم على مقتضى ما غلب" (10) ."

أما القسم الثاني من المصالح فيدل على جهة تعلق الخطاب الشرعي بها، وهي خالصة"غير مشوبة بشيء من المفاسد لا قليل ولا كثير، وإذا توهموا بأنها مشوبة فليس في الحقيقة الشرعية كذلك لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة إنما المراد بها بما يجري باعتبار الكسب من غير الخروج إلى زيادة تقتضي تلفت الشارع إليها عن الجملة (11) ."

لأهمية هذا المصطلح يقول عبد المجيد الصغير:"إن محاولة الشاطبي تستهدف إعادة النظر وتعميق الرؤيا إلى نفس المفهوم، مفهوم المصالح الذي سيصبح بجانب مفهوم المقاصد المركز والمحور الذي يدور حوله مشروع الشاطبي بكامله، في حين تأتي سائر المفاهيم الأخرى مجتمعة بدلالات منهجية ترمي إلى تأسيس رؤية جديدة حول المفهوم المركزي" (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت