والسوائب من بهيمة الأنعام ينذر الواحد مثلًا بعيره أو ناقته للصنم، فلا تحبس عن مرعى ولا عن ماء ولا تركب، تسيب هكذا، ولا ينتفع منها بشيء، تقربًا إلى الصنم بزعمهم، من الذي عملهم هذا؟ عمرو بن لحي الخزاعي. أول من غير ملة إبراهيم في جزيرة العرب، ولذلك كان من أهل النار.
ورد في بعض الأحاديث: قارون وهامان وأبي بن خلف، وهو الحديث المشهور المرفوع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- أنَّه ذكر الصلاة يومًا فقال: (من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) 4. وهذا الحديث لأهل العلم كلام في تصحيحه وتضعيفه حتى من المعاصرين كالشيخ الألباني-رحمه الله- ضعّفه في الترغيب والترهيب، وكتب أخرى، وحسنه في الثمر المستطاب، وفقه السنة والكتاب، ومشكاة المصابيح.
على أية حال حديث مشهور معروف فيه أسماء هؤلاء الثلاثة: قارون وهامان وأبي بن خلف أنهم من أهل النار.
قارون الذي اغتر بماله وكفر بالله. فرعون الذي نازع الله في ربوبيته. وهامان وزيره ومعينه على الظلم والشر. وأبي بن خلف الجُمحي الذي آذى النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى أنه عليه الصلاة والسلام قصده فقتله بيده، ولم يقتل شخصًا غيره بيده5.
(وكذلك) الوليد بن المغيرة ممن ثبت أنهم من أهل النار في كتاب الله تعالى-، فإن الله -عز وجل- قال: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا* وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * ... سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [سورة المدثر (11-26) ] . قال ابن كثير:"وهذا المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش"6. هذا الذي لمّا قرأ -عليه الصلاة والسلام- القرآن بدأ يلين، فجاء أبو جهل قال: قريش تريد أن تجمع لك مالًا، لماذا؟ قال: يعطونكه، يتصدقون عليك، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالًا!. فقال: إنهم علموا أنك تطلب المال، فقال له كلامًا معناه: إنّه علموا أنك أعجبت بمحمد، وأنك تعرضت له تطلب منه شيئًا، استفزَّه، فعند ذلك قال: والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من ذلك، يعني من الأشعار ولا من كلام الجن، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى، وقال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، أبو جهل يقول له، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكّر قال: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [سورة المدثر (24) ] . يعني إذا ما كان من قول الشعراء، ولا من قول الجن، فما هو؟! فكَّر ودبّر وعبس، وبسر، أدبر، واستكبر، وقال: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} ..
ممن ورد عليهم النص أنهم في النار: أبو لهب وزوجته؛ كما قال تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} [سورة المسد (1-5) ] . {تبت يدا} خسرت وخابت، وظل سعيه؛ {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} أم جميل: أروى بنت حرب بن أميه أخت أبي سفيان، كانت من سادات نساء قريش لكن ذلك ما نفعها عند الله؛ لأنها كانت عونًا لزوجها على كفره، وجحوده، وعلى إيذاء المؤمنين، فهي في النار حمالة حطب، تأخذ حطب من النار وتلقيه على زوجها، ليزداد فيه ما فيه من العذاب، وتعذب معه أيضًا: {فِي جِيدِهَا} وعنقها حبل من النار.
ممن ورد عليهم النص أنهم في النار: أبو طالب؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: (هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) 7. [رواه البخاري ومسلم] . وقد تقدم ذلك.
وجاء في الصحيحين أنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة جاءه، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: (أي عم قل: لا إله إلا الله كلمةً أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟!) تموت على غير ملة أبيك؟!. هذا قرناء السوء، هذه حالهم، عند الموت يثبتونه على الكفر، فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه ويعيدانه، يعيدان كلامهما بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، ومات، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك) . فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} 8. [سورة التوبة (113) ] .
هذا عمّه، من أقرب الناس إليه، ودافع عنه، لكن ما نجاه ذلك؛ لأن التوحيد هو الأصل، ما في توحيد ما في نجاة من النار.
ذُكر آخرون من أهل النار لكن ليس في سياق شركٍ أو كفرٍ أكبر عملوه وإنما في كبائر اقترفوها؛ فمثلًا: