من الأسباب: طاعة الرؤساء الضُّلال، وزعماء الكفر في كفرهم، واتباعهم على ذلك؛ كما قال تعالى في سورة الأحزاب: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [سورة الأحزاب (64) (65) (66) ] .
كذلك (من الأسباب التي يخلد صاحبها في النار) : الكذب على الله، والافتراء عليه: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ} [سورة النحل (62) ] . الذين جعلوا الملائكة إناثًا، وعبدوهم من دون الله، ونحو ذلك من الذين يفترون على الله الكذب وهم يعلمون.
النفاق الأكبر طبعًا من أسباب التخليد في النار: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [سورة التوبة (68) ] . {إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [سورة النساء (140) ] .
كذلك من الأسباب: الاستكبار عن عبادة الله، وعن سماع آياته؛ كما قال عز وجل: {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة الأعراف (36) ] . ماذا يفعل الواحد منهم؟: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [سورة لقمان (7) (8) ] . النار ماذا قالت لما احتجت مع الجنة؟ قالت: (يدخلني الجبارون والمتكبرون) 17.
الكفار الذين علموا أعمالًا صالحة، ما هو مصير هذه الأعمال؟
بعضهم كفل أيتام، أعان مساكين، أطعم جياع، آوى مشردين، بر والدين، وصل رحمه، أحسن إلى جيرانه.. ما دام الأساس باطل كفر بالله فماذا ينفعه عمله ذلك؟ لا شيء. قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [سورة الفرقان (23) ] . وقال: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [سورة الزمر (65) ] . هذا قاله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-، فكيف بأولئك المشركين؟
طبعًا نسمع اليوم أنَّ أغنى رجل في العالم قد وهب نصف ثروته في أعمال الخير، واقتدى به رجل آخر من أغنياء العالم فجعل مؤسسة خيريه بنصف ممتلكاه، وفلان.. وفلان، لكن إذا كانوا كفرة يدعون المسيح من دون الله، ويعبدون الصليب، ولا يدخلون في الإسلام، وهم قد سمعوا به سماعًا حقيقيًا صحيحًا، إذًا ما الذي ينفعهم؟ لا ينفعهم شيئًا..
لكن من عدل الله أنه يعطي الكافر في الدنيا على أعماله الصالحة، فيعطيه مزيدًا من الأموال على أشياء تصدق بها، يعطيه صحة، يعطيه أولادًا، يعطيه جاهًا، وذكرًا، وسمعةً، يستوفي كل شيء في الدنيا حتى إذا جاءه يوم القيامة لم يجد حسنةً تنفعه، قال ابن القيم -رحمه الله-:"والله-سبحانه- يجازي عدوه مما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، ويخفف به عنه يوم القيامة"18. هذا أبو طالب خفف عنه، لكن مخلد في النار، وشفاعة النبي -عليه الصلاة والسلام- سبب في ذلك.
ما هي حال الموحدين من أهل الكبائر؟
تقدم أنَّ أول من يدخل النار من عصاة الموحدين: المرائين، قارئ للقرآن، ومقاتل في المعركة مع المسلمين، ويجاهد الكفار، ومتصدق منفق، لماذا؟ كما تقدم، هذا فعل ليقال: فلان شجاع، وهذا فعل ليقال: فلان كريم، وهذا فعل ليقال: فلان قارئ أو فلان عالم.
أخذتم في الدنيا نصيبكم والناس تكلموا بذلك وأثنوا ومدحوا فليس لكم الآن إلا النار، فيسحبون إليها، قال معاوية -رضي الله عنه- لمّا سمع هذا الحديث أبو هريرة أغمي عليه كم مرة لما أراد أن يحدث به؟!.
قال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سورة هود (16) (15) ] .
وتقدم أنَّ أول من تسعر بهم النار الأولية النسبية بالنسبة للعصاة من الموحدين هؤلاء. وأما الكفار فقد سحبوا إلى النار من قبل.