فهرس الكتاب

الصفحة 25627 من 27345

النكتة الأولى: أنَّ الاختيار واقع منه - صلى الله عليه وسلم - فيما خُيّر فيه ، و ليس في كلّ ما أوحيَ إليه أو كُلّف به ، هو أو أمّته ، و مثال ذلك الاختلاف في صيَغ الأذان ، و تكبيرات العيد ، و ما إليه حيث لا يعيبُ من أخَذ بهذا على من أخذَ بذاك من العلماء ، لثبوت الروايات بالأمرين كليهما .

و الثانيّة: تقييد التخيير بما لم يكُن إثمًا ، و لا شكّ أنّ العدول عن الراجح إلى المرجوح ، أو تعطيل ( و من باب أولى رد ) ما ثبت من الأدلّة الشرعيّة إثمٌ يُخشى على صاحبه من الضلال ، فلا وَجه لاعتباره من التيسير المشروع في شيء .

و الثالثةُ: أنّ التخيير المذكور في الحديث يُحمل على أمور الدنيا لا الدِّين ، و هذا ما فهمه أهل العِلم قَبلَنا ، و قدّ أمِرنا بالردّ إليهم ، و منهم الحافظ ابن حجر ، حيث قال رحمه الله في الفتح: ( قولُه بين أمرين: أي من أمور الدنيا. لأن أمور الدين لا إثم فيها ... و وقوع التخيير بين ما فيه إثم و ما لا إثم فيه من قِبَل المخلوقين واضح ، و أمَّا من قبل الله ففيه إشكال ؛ لأن التخيير إنما يكون بين جائِزَين ) [ فتح الباري: 6 / 713 ] .

و النكتة الرابعة و الأخيرة: أنّ هذا الخبر ما لم يُقيّد بما سبق سيكون معارضًا باختيار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الأشقَّ على نفسه ، كقيامه الليل حتّى تتشقق قدَماه مع أنّ الله تعالى قد غَفَر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر . قال الحافظ في الفتح: ( لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم أمكن ذلك بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى مع الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة مثلًا ، و بين أن لا يُؤتِيَه من الدنيا إلا الكفاف ، و إن كانت السعة أسهل منه ، و الإثم على هذا أمر نسبي ، لا يراد منه معنى الخطيئة لثبوت العصمة له ) [ فتح الباري: 6 / 713 ] .

ثالثًا: لا تكليف بدون مشقّة ، و إن كانت المشقّة الحاصلة بكلِّ تكليفٍ بحَسَبه ، و هي متفاوتة ، فإذا جاز لنا تخيّر أيسر المذاهب دفعًا لكلّ مشقّةٍ ، ترتّبَ على ذلك إسقاط كثيرٍ من التكاليف الشرعيّة ...

قال الشاطبي رحمه الله: ( المقصد الشرعي مِن وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد الله اضطرارًا ) [ الموافقات: 2 / 128 ] .

و قال الإمام شمس الدين ابن القيّم رحمه الله: ( لو جاز لكل مشغول و كل مشقوق عليه الترخيص ضاع الواجب و اضمحل بالكلية ) [ إعلام الموقعين 2 / 130 ] .

و قال أيضًا في مَعرض كلامه عن رُخَص السفَر: ( إنَّ المشقة قد عُلِّقَ بها من التخفيف ما يناسبها ، فإن كانت مشقة مرض و ألم يُضِرُّ به جاز معها الفطر و الصلاة قاعدًا أو على جنب ، و ذلك نظير قصر العدد ، و إن كانت مشقّةَ تعبٍ فمصالح الدنيا و الآخرة منوطةٌ بالتعب ، و لا راحة لمن لا تعب له بل على قدر التعب تكون الراحة فتناسبت الشريعة في أحكامها و مصالحها بحمد الله و مَنِّه ) [ إعلام الموقعين 2 / 131 ] .

قلتُ: فمن آثر الراحة و الدعةَ في مقام الجدّ و النصَب ، فقد خالف الصواب ، و غَفَل عمّا أريد منه ، و ما أنيط به ، و لو كان في البعد عن الجدّ و الجَهد في الطاعة بدون مرخّصٍ شرعيٍ مندوحةٌٌٌ لغير ذوي الأعذار ، لما قال تعالى لخير خلقه ، و أحبّهم إليه: ( فإِذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ) [ الانشراح: 7 ] .

رابعًا: ما ورد في التحذير و التنفير من التشديد و التعسير و المشاقّة و التنطّع ، و التعمّق - و ما إلى ذلك - على النفس و الغير ، لا يدلُّ على التخيير ( أو التخيُّر ) في الأحكام الشرعيّة ، لدلالة النصوص على التكليف بالأشدّ في مواضع كثيرة ، و لأنّ النسخ بالأشد ممّا جاءت به الشريعة بالاتفاق ، فضلًا عن حمل جمهور أهل العلم لنصوص النهي عن التنطّع و نحوه على ما كان فيه مجاوزة للمشروع ، كالوصال في الصيام ، فهو ممّا نُهي عنه ، و إن كان مقدورًا عليه بدون مشقّة ، بخلاف الصوم المشروع فلا يسقط عمّن وجَبَ عليه حتى و إن ثبتت مشقّته ، ما دام مقدورًا عليه ، و قد تقدّم ذكر بعض أقوال أهل العلم في أنّ الأصل في التكليف ، أنّه قائمٌ على المشقّة المقدور عليها .

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: ( التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ، و لا مستحب ، بمنزلة الواجب و المستحب في العبادات ، و تارةً باتخاذ ما ليس بمُحرَّم ، و لا مكروه ، بمنزلة المحرم و المكروه في الطيبات ، و عُلِّل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى ، شَدَّد الله عليهم لذلك ، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة ، و في هذا تنبيه على كراهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لِمِثْل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة ، و إن كان كثير من عُبَّادِنا قد وقعوا في بعض ذلك ، متأولين معذورين ، أو غير متأولين و لا معذورين ) [ اقتضاء الصراط: 1/103 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت