فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و قال ابن القيّم رحمه الله: ( نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التشديد في الدين ، و ذلك بالزيادة على المشروع ، و أخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه ؛ إما بالقدر ، و إمَّا بالشَرْع ؛ فالتشديد بالشرع كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل ، فيلزمه الوفاء به ، و بالقدر كفعل أهل الوسواس ، فإنهم شدَّدوا على أنفسهم ، فشُدِّدَ عليهم القدر ، حتى استحكم ذلك ، و صار صفةً لازمة لهم ) [ إغاثة اللهفان: 1/132 ] .
و لا يقال: إنّ أحكام الشريعة تتدرّجُ من الأشدّ إلى الأيسَر ، و لا من الأيسر إلى الأشد ، باضطراد ، لأنّها اشتملت على الأمرين معًا ، و هذه المسألة مبسوطة في مباحث النسخ في كتب الأصول ، و الأمثلة عليها كثيرة من الكتاب و السنّة ، و من استقرأها وقفَ على حقيقةٍ مفادها أنّ التدرّج من الأيسر إلى الأشدّ هو الغالب في النَسخ ، و هو ما يصلحُ دليلًا على نقيض ما ذهَب إليه دعاة التيسير ، و مؤصّلوه في هذا الزمان .
لقد جاء الشرع بالتشديد بعد الترخيص في مواضع منها ما تقدّم ذِكره من إيجاب الصيام على كلّ مكلّّف بعد أن كان على التخيير في حق من يطيقه .
و نحو ذلك ما جاء في تحريم الخمر من التدرّج من الأيسر إلى الأشد ، حيث كان مباحًا على الأصل ، ثمّ نزلت الآية لتفيد كراهته بالإشارة على رُبُوِّ إثمه على نفعه ، ثمَّ حرّم أثناء الصلاة خاصّة ، ثمّ نزل تحريمه في الكتاب ، و حدُّ شاربه في السنّة .
و كذلك الحال في تشديد حدّ الزنا من الإيذاء باللسان و اليد ، إلى حبس الزواني في البيوت حتى يأتيهن الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلًا ، ثمّ الجلد للبكر ( و التغريب في بعض المذاهب ) ، و الرجم للمحصن .
و نحوه ما كان من النهي عن الجهاد في أوّل الأمر ، ثمّ الإذن فيه ، ثم إيجابه على غير ذوي الأعذار بعد الهجرة .
و الأمثلة غير ما ذكرنا على أن الشرع الحنيف جاء بالتدرّج في التشريع من الأيسر إلى الأشدّ كثيرة ، و لو أردنا تتبُّعَها ، وذِكرَ أدلّتها و ما يتفرّع عنها من مسائل و أحكام ، لطال بنا المقام ، قبل أن نصير إلى التمام (1) .
و هذا يدلّ على نقيض ما تذرّع به الميسِّرون ، يسَّر الله لنا و لهم سُبُلَ الهدى ، و وقانا مضلات الهوى و موارد الردى .
فإذا أضيف إليه ما قرّرناه آنِفًا ، من بُطلان استدلالهم بنصوص الوحيين على الجنوح إلى التيسير على وجه التخيير ، ظهر لنا الحق الصريح ، و هو إغلاق باب الاجتهاد في مورد النص الصحيح ، و وجوب الردّ إلى الله تعالى و رسوله على وجه التسليم و القبول ، و الله أعلَم و أحكَم .
المقصِِِد الثاني
أقوال السلف في اختيار أيسَر المذاهب
تذرّع دعاة التيسير في العصر الحديث بما روي عن السلف و الأئمة المتّبعين بإحسان ، من استحباب الأخذ بالرُخص .
و من ذلك ، قول قتادة رحمه الله: ( ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم ) [ انظره في: تحفة المولود ، ص: 8 ] .
و قول سفيان الثوري رحمه الله: ( إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة , فأما التشديد فيُحسنه كل أحد ) [ آداب الفتوى للنووي ، ص: 37 ] .
و قول شيخ الإسلام ابن تيميّة: ( إذا فعل المؤمن ما أُبيح له قاصدًا العدول عن الحرام لحاجته إليه فإنّه يثاب على ذلك ) [ مجموع الفتاوى: 7 / 48 ] .
و قول ابن القيّم: ( الرخص في العبادات أفضل من الشدائد ) [ شرح العمدة: 2 / 541 ] .
و قول الكمال بن الهمّام في التحرير:( إنّ المقلّد له أن يقلّد من يشاء ، و إن أخذ العاميّ في كلّ مسألة بقول مجتهد أخفّ عليه ، لا أدري ما يمنعه من النقل أو العقل .
و كون الإنسان يتتبّع ما هو الأخفّ عليه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد ، ما علمت من الشرع ذمّه عليه ، و كان صلى الله عليه وسلّم يحبّ ما خفّف عن أمّته ).
و قول الشاطبي: ( المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور ، فلا يذهب بهم مذهب الشدة ، و لا يميل إلى طرف الانحلال ، و الدليل على صحة هذا أنَّه الصراط المستقيم ، الذي جاءت به الشريعة ، فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف ، الحملُ على التوسط من غير إفراطٍ و لا تفريطٍ ، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع ، و لذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين ) [ الموافقات: 4 / 285 ] .
إلى غير ذلك ممّا وقفوا عليه فاحتجّوا به ، أو غاب عنهم فأغفلوه .
(1) 1 ) كان التدرّج في التشريع في زمن الوحي ، و انقطع بانقطاعه ، حيث أكمَلَّ الله دينه ، و أتمّ على عباده نعمته ، فقال: ( اليوم أكملتُ لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينًا ) فليس لأحد بعد ذلك أن يجاري الشارع الحكيم سبحانه في التدرّج في تبليغ حكم الله تعالى ، و حُكمِ رسولِه لحديثي العهد بالإسلام أو التوبة ، إذ إنّ الأحكام قد استقرّت على ما قضى الله و رسوله ، و بالله العصمة .