ومن هنا يتبين لفوكوياما أهمية العنصر الثاني الذي يحرك التاريخ وهو الرغبة الأساسية لدى الإنسان في الحصول على اعتراف الغير به واحترامه ، وهو الأمر الذي لا يوفره التقدم الاقتصادي في ظل الدول الديكتاتورية ، فكانت نهاية التاريخ من ثم لا يمكن أن تتم في ظل التصور الماركسي ، وكان لابد من توقعها في ظل تحقيق المجتمعات الديموقراطية الليبرالية بزعم أنها هي التي تحقق العنصرين معا: التقدم الاقتصادي ، والحصول على الإحساس بالرضا وعزة النفس .
هذا الأمر هو الذي جعل فوكوياما يعود إلى هيجل ونظريته غير المادية في التاريخ القائمة على أساس"الصراع من أجل نيل التقدير والاحترام"ص12 وذلك بالوصول إلى الديموقراطية اللليبرالية . كما يعود في نفس الوقت إلى ذلك الجانب الذي سماه أفلاطون: الثيموس ( أي الهمة أو الشجاعة أو القوة الغضبية ) ضمن الجوانب الثلاثة عنده للإنسان: العقل والشهوة والقوة الغضبية ص 13 .
ثم هو يبني أطروحته على اتجاه الاقتصاد العالمي في طريق العولمة: ويقررأنها - أي العولمة وجدت لتبقى لأسباب ثلاثة:
أولا: لأنه - كما يقول ( لم يبق هناك نموذج تنمية كبديل عملي يعد بنتائج أفضل من العولمة حتى بعد أزمة الدول الأسيوية عام 1997\1998 ) طبقا لما صرح له به بعض زعماء الحركة الاقتصادية النامية في سنغافورة وماليزيا من أنهم أصبحوا يفضلون نمط السياسة القائمة على الحقوق الذي هو سمة من سمات الغرب"يفضلونه على نمط السياسة القائمة على الدكتاتورية الأبوية كسمة من سمات الثقافة الأسيوية"
السبب الثاني: في عدم احتمال نقض العولمة هو: أن مشاكل عدم المساواة الاقتصادية التي يسعى اليسار إلى حلها لا يمكن حلها في الوقت الراهن إلا على أساس من المستوى العالمي
السبب الثالث: أن العولمة المعاصرة تلقى الدعم من تكنولوجيا المعلومات التي نشرت التليفون والفاكس والراديو والتليفزيون والإنترنيت في أقصى بقاع الأرض . .
وليس معنى ذلك عند فوكوياما ( أن الديموقراطيات الراسخة المعروفة في زمننا هذا كالولايات المتحدة أو فرنسا او سويسرا لا تعرف الظلم أو المشكلات الاجتماعية الخطيرة ، غير أن هذه المشكلات هي في ظني - حسب تعبيره - وليدة قصور في تطبيق المبدأين التوأم: الحرية والمساواة ، اللذين قامت الديموقراطية على أساسهما ولا تتصل بعيوب في المبدأين نفسيهما ) ص 8
تعليق (1) : وهنا نجد أن فوكوياما يتناسى أن الديموقراطية الحديثة لم تقم على أساس هذين المبدأين الحرية والمساواة فحسب: ولكن بضميمة العلمانية إليهما ، ومن هنا يصح لنا أن نتوقع مجييء العيوب من هذا المبدأ الثالث نفسه
تعليق (2) : إذا كان هذا الاعتذار - عدم القصور في المبدأ نفسه - مقبولا في شأن إخفاق الديموقراطية الحديثة إلى حد أنها كما يقول فوكوياما نفسه ( قد ترتد إلى أشكال أخرى للحكم أكثر بدائية كالحكومة الدينية أو الديكتاتورية العسكرية ) ص 8 .. فهل يقبل العلمانيون هذا الاعتذار عندما يقال في شأن النظام الإسلامي ؟
تعليق (3) : بالرغم من تصريح فوكوياما بأن الإنسان ليس حيوانا اقتصاديا ،وإنما هو يحتوي على الرغبة في اعتراف الآخر به ( انطلاقا من الثيموس الأفلاطوني ومطلب الاعتراف عند هيجل ) فإننا نحن نرى أن الأمر مع ذلك ما يزال يتحرك في النطاق المادي ، ولا يمكن تحقيق الشعور بالاحترام إلا من خلال تحقيق رغبة الإنسان في التطلع للحصول على الرضا من خلال رغبته في الاتصال بالأعلى ، بالله والآخرة ، وإذن فلا ينتهي التاريخ إلا باستسلام الإنسانية كلها للدين الذي يشبع هذه الرغبة ، و ذلك ما تنبأ به محمد صلى الله عليه وسلم في قوله من علامات الساعة ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها ) رواه البخاري وغيره .
تعليق (4) : ارتبط هذا الفهم للتاريخ بكل من الفيلسوف الألماني هيجل ، وماركس ، فعند هذين المفكرين: أن ثمة تطورا متلاحما للمجتمعات البشرية من مجتمعات قبلية بسيطة قائمة على العبودية وزراعة الكفاف ، إلى مختلف أشكال الحكومات الدينية والملكية والأرستوقراطية الإقطاعية وانتهاء بالديموقراطية الليبرالية الحديثة والرأسمالية القائمة على التكنولوجيا .
تعليق (5) : نرى أن هذا التاريخ بهذا المفهوم الدنيوي البحت نظرية قابلة للجدل ، إذ أين المسار الديني الخاضع لقيومية الآخرة عند من يعتقد كونه عاملا أساسيا لا يزول ؟