تعليق (6) : كان في اعتقاد كل من هيجل وماركس أن تطور المجتمعات ليس إلى ما لانهاية ، بل إنه سيتوقف حين تصل البشرية إلى شكل من أشكال المجتمع يشبع احتياجاتها الأساسية والرئيسية وهكذا افترض الاثنان أن للتاريخ نهاية: هي عند هيجل الدولة الليبرالية ، وعند ماركس المجتمع الشيوعي ، وليس معنى هذا أن تنتهي الدورة الطبيعية للحياة والأحداث وإنما يعني هذا أنه لن يكون ثمة مجال لمزيد من التقدم في تطور المبادئ والأنظمة الأساسية ، وذلك لأن كافة المسائل الكبيرة حقا ستكون قد حلت ص 9
تعليق: ونحن نقول إن هذا يتوقف على وجهة النظر القيمية: إذ أين تأثير مسار القيم الأخروية عند من يؤمن بها وينتظر عندئذ مستقبلا لتحقيقها ؟
( 7) ثم يؤكد فوكوياما في كتابه: أن لنا ونحن نودع القرن العشرين أن نعود إلى تأكيد ما قرره هيجل من قبل: أن تاريخ البشرية يتجه بالشطر الأعظم من البشرية صوب الديموقراطية الليبرالية
تعليق: ونحن نرى أن هذا التأكيد ينطلق من تقدير مفعم بالذاتية ، وهي ذاتية ليست مقدسة ، ولا محصنة ضد الجدل ، فإذا لم تؤصل على أسباب موضوعية فقد اصبح وخصومه على مفترق طرق منذ البداية .
وما يذكره فوكوياما من أسباب لهذا الاعتقاد يؤكد ذاتيته .
هل تراجع فوكويوما
في مقاله الأخير الذي أصدره فوكوياما مؤخرا بعنوان ( إعادة نظر في نهاية التاريخ ) وقد نشرته مجلة"الكتب وجهات نظر"في عددها الثامن سبتمبر 1999 بترجمة الأستاذ أحمد محمود . يتساءل فوكوياما في هذا المقال الأخير: هل يعني ذلك من الصحيح أن ما قدمه في كتابه من أن كل شئ في النظام السياسي والاقتصادي الكوني يسير فعلا إلى حالة الاستقرار النهائية ؟ يجيب فوكوياما على هذا السؤال في مقاله الأخير بالنفي ، ولأسباب سياسية واقتصادية إلى الحد الذي يجعله يصرح بسؤال: لماذا كان القول بنهاية التاريخ خطأ إلى حد كبير ؟ ، إنه يصرح بأنه اكتشف أن احتمال كون الإنسانية في هذه المرحلة الديموقراطية الليبرالية القائمة على العولمة الحتمية قد اقتربت من نهاية التاريخ إنما ينشأ فقط في ظل شرطين: أولهما أن التقدم العلمي التكنولوجي له نهاية يتوقف عندها . والثاني: أن الطبيعة البشرية ثابتة لا تتغير تغيرا جذريا . وبما أن هذين الشرطين غير متوفرين: كما تبين له أخيرا فإن احتمال تحقق ما سماه نهاية التاريخ أصبح أمرا مشكوكا فيه كذلك:
أما الشرط الأول فقد أصبح مشكوكا فيه بسبب التقدم العلمي الذي لم يعد له نهاية ملحوظة إلى الحد الذي ينبئ باحتمال أن يخلق نوعا جديدا من البشر ومن ثم ينهار الشرط الثاني الذي افترض ثبات الطبيعة البشرية .
وفي المجال العلمي فهو يقرر أن الإنسانية على شفا انفجار جديد من الابتداع التكنولوجي ، وأنه إذا كان القرن العشرون هو قرن الفيزياء التي كانت منتجاتها النموذجية القنبلة الذرية والترانزستور فإن القرن الواحد والعشرين يبشر بأن يكون هو قرن البيولوجيا أو علم الأحياء .
فإلى حد ما من الممكن اعتبار ما حدث طوال القرن والنصف المنصرمين ثورة في التكنولوجيا الحيوية إذ جاءت لنا بالتطعيمات ضد الجدري وشلل الأطفال مما أدى إلى زيادة متوسطات الأعمار المتوقعة ، والثورة الخضراء في الزراعة والفوائد الأخرى التي لا حصر لها . غير أن اكتشاف تركيب ما يسمى الحمض النووي فتح مجالا أرحب كثيرا في غزو الإنسان للطبيعة . وسوف تجعل أنواعُ التطورات التي يحتمل حدوثها في الجيلين القادمين: تجعل ما حدث في السابق من تقدم تافها إذا ما قورن بها .
وتوحي الأبحاث التي أجريت مؤخرا على الخلايا الموجودة في الأجنة التي لم تتخلق بعد لتصبح أعضاء الطفل المختلفة توحي بأن الشيخوخة وعدم تجديد الخلايا الميتة عمليتان يمكن التحكم فيهما وراثيا ويمكن تشغيلهما أو وقفهما بطريقة متعمدة ، ويعتقد بعض الباحثين في الوقت الراهن - كما يقول - أنه قد يكون من الممكن للعلم أن يمكن بعض البشر من أن يحيوا بشكل معتاد لمدة مائتي أو ثلاثمائة عام ، وربما أطول من ذلك ، وعلى مستوى عال من الصحة .
إن النتيجة الأكثر جذرية للبحث الدائر في مجال التكنولوجيا الحيوية هو احتمال تغيير الطبيعة البشرية ذاتها ليس فقط بالتأثير على الفرد الذي تطبق عليه: وإنما على كل الذرية التالية لهذا الفرد ، فلا تكتفي بنشاطها في الأغراض العلاجية وإنما - وفي ظل عدم وجود اتفاق فيما يتعلق بما يشكل أساس الصحة -: سيصبح في الإمكان أولا إعطاء هرمون النمو لطفل يعاني من القزامة لوجوده في شريحة الشذاذ الذين لا يتجاوزن نسبة خمسة في المائة ليصبح في عداد من يعتبرون أطفالا عاديين ، ثم يصبح بعد ذلك يعطى لطفل في شريحة العاديين ( شريحة الخمسين في المائة ) ليصبح في عداد نموذج جديد من البشر وهكذا تتغير مقاييس أشكال الصحة أساسا بغيثر ضابط أو نهاية