فهرس الكتاب

الصفحة 25692 من 27345

( وتعني العولمة - عنده - أن أية دولة ذات سيادة تسعى لفرض قيودها على الاستنساخ مثلا أو خلق الأطفال المصمَّمين لن تفلح في ذلك ، فالأزواج الذين يواجهون حظرا يفرضه الكونجرس الأمريكي قد يمكن لبعضهم التسلل إلى جزر الكيمان أو المكسيك .. بل التنافس الدولي قد يدفع الدول إلى تجاهل وخز الضمير ، فإذا بدا أن منطقة أو دولة تنتج أفرادا أسمى وراثيا من خلال قواعدها المتساهلة بشأن التكنولوجيا الحيوية فسوف يكون هناك ضغط على الدول الأخرى لتلحق بها) ويصبح النظام الدولي - القائم على العولمة والذي سمح بانتقال تكنولوجيا المعلومات الخيرة ‍‍‍‍ ، غير صالح لمواجهة التكنولوجيا الحيوية الأكثر شرا ( وعندئذ تكون جهود إغلاق الأبواب لا نفع فيها )

ولا يصح لأحد - كما يقول فوكوياما - أن يقلل من شأن النتائج المحتملة لذلك على أي من السياسة والأخلاق ، وإذا بلغ الأمر- كما يقول - فوكوياما - حد أن الطبيعة ليست شيئا وهبنا إياه الرب ، أو ميراثنا الارتقائي ، بل صنعه البشر فحينئذ ندخل مملكة الرب - على حد تعبيره بكل القوى المخيفة للخير والشر التي يوحي بها هذا الدخول .

والمشكلة إذن - كما وضع فوكوياما يده عليها أخيرا في صحوة ضمير - مشكلة أخلاقية .

وسوف نتوقف نحن عند هذه النقطة لنعود إليها ، لكن يبقى أن نسأل عن أطروحته في نهاية التاريخ ما الذي حدث لها بعد هذا التحليل ؟

هنا نجد فوكوياما يحاول بلعبة لفظية إنقاذ أطروحته السابقة في نهاية التاريخ إذ يقول أنه ( سنكون قد انهينا التاريخ البشري بكل تأكيد لأننا سنكون قد ألغينا البشر أنفسهم ، وحينئذ سيبدأ تاريخ ما بعد البشري ) .

نهاية حضارة

إن ما يسميه فوكوياما نهاية التاريخ البشري والانتقال لما بعد البشري لا يعني غير انهيار البشرية لأسباب أخلاقية كما صرح بذلك ، وليس الوصول بهذه البشرية - كما زعم سابقا - إلى مرحلة الرضا المنبعث من ( الثيموس ) . بل دون أمل فيما يسميه ما بعد البشرية .

إذ ماذا يتبقى بعد هذه النهاية المأساوية لتاريخ البشرية ليقوم عليه تاريخ ما بعد البشرية ؟

وماذا في يد العلم ليبدأ الخطوات الأولى في هذا التاريخ بعد أن تم استبعاد الله - وحاشاه - من الطبيعة ، كما استبعد من البشرية ؟

وقد كان على فوكوياما بدلا من الدخول في ضباب وأسطورية ما بعد البشري - حسب زعمه - أن يتوقف طويلا أمام حقيقة أن تاريخ البشرية يحتاج إلى ما ينقذه:

ونحن نوافق فوكويوما في نظرته اليائسة لمن ينقذ البشرية في مرحلتها الحضارية الأخيرة لكي يعيدها إلى الطريق في سيرها نحو حالة الرضا: نعم نوافقه على ذلك لكن لسبب لم يدركه فوكويوما منذ البداية وهو أن هذه الحضارة إذ ارتكزت على عنصري الاقتصاد ومطلب اعتراف الآخر فقد أهملت منذ البداية عنصر الإيمان بالدين والاعتراف بها أمام الله ، وقامت على العلمانية الأمر الذي جعلها في نهاية تطورها الخاص بها في موقف الإفلاس الأخلاقي إفلاسا لم يعد يمكنها من الإمساك بقشة النجاة من الغرق بالرغم من تفوقها الاقتصادي والعلمي ، بل بسبب تفوقها الاقتصادي والعلمي معا .

هنا نمسك بتلابيب المأساة: وهي مأساة هذا النموذج الغربي للحضارة ، إذ ليس من شك في أن المشروع الذي قامت عليه الحضارة الأوربية المعاصرة في أصل بنيتها منذ بداية النهضة قد استبعد الدين تمامًا، وإن كانت تلجأ إليه لأسباب عارضة أحيانا كما هو الحال في صراعها مع المسلمين . وهذه هي مأساة هذه الحضارة بالذات .

كل ذلك يهون ، أو يقاس ـ مع الفارق ـ على آثام حضارات تداعت من قبل ، لكن: ما تصنعه هذه الحضارة من كارثة للأرض: كوكبًا ضمن المنظومة الفلكية ؟! لا يقاس عليه شيء .

وأخيرا يأتي مابشرحه فوكوياما من تدمير لتاريخ البشر ، انتظارا لوهم ما بعد البشرية

ومن هنا فقد كان يجدر بفوكوياما أن يتحلى بقدر أكبر من الشجاعة وأن يرتفع إلى مستوى المفكرين الذين ارتفعوا بقامتهم إلى مستوى معالجة هذا الموضوع ، وبدلا من أن يلعب لعبته اللفظية في القول بنهاية التاريخ البشري ليبدأ ما يسميه التاريخ ما بعد البشري: كان عليه أن يعلن بشجاعة نهاية هذه الحضارة لا نهاية التاريخ لتبدأ لا أسطورة ما بعد البشري ولكن: حضارة أخرى تجمع بين تجربة التقدم الاقتصادي وتجربة التقدم العلمي وتجربة التقدم الأخلاقي القائم على الدين .

فهل يصلح ما يسميه هاننجتون"صدام الحضارات"إعادة تأهيل أم هو محض غطاء لسقوط الحضارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت