فهرس الكتاب

الصفحة 25721 من 27345

فالفائدةُ العظمى مِن حديثِ الأعمالِ بالنياتِ أن نتوجَّهَ إلى إصلاحِ القَلبِ والقَصدِ؛ وقال ابن القيم رحمه الله:"قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم، والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين) ! وهذا مِن جَواهرِ الكَلامِ وأدلِّهِ على كمالِ فِقهِ الصحابةِ وتقدُّمِهم على مَن بَعدَهم في كلِّ خيرٍرضي الله عنهم فاعلم أن العبد إنما يقطع منازلَ السير إلى الله بقلبِه وهِمَّته لا ببدنه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح قال تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) ، وقال (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (التقوى هاهنا) ، وأشار إلى صدره؛ فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعافَ أضعاف ما يقطعه الفارغُ من ذلك مع التعبِ الكثيرِ والسفرِ الشاق؛ فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقةَ وتطيب السيرَ والتقدمَ! والسبقُ إلى الله سبحانه إنما هو بالهممِ وصدقِ الرغبةِ والعزيمةِ؛ فيتقدم صاحبُ الهمة مع سُكونِه صاحبَ العملِ الكثير بمراحلَ؛ فإنْ ساواه في هِمتِه تقدم عليه بعمله، وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام والإحسان. فأكملُ الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مُوَفِّيًا كلَّ واحدٍ منهما حقه فكان مع كمالِه وإرادتِه وأحوالِه مع الله؛ يقوم حتى تَرِمَ قدماه ويصوم حتى يقال لا يفطر ويجاهد في سبيل الله ويخالط أصحابه ولا يحتجب عنهم، ولا يترك شيئا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر والله تعالى أمر عباده إن يقوموا بشرائع الإسلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم". [72]

فـ (العقائد) العظيمة و (الأفكارُ) الناجحة و (الأعمال) المثمرة إنما تقوم على (النيات) الصالحة؛ ولله دَرُّ سيِّد قطب فقد بَيَّنَ هذا المعنى أحسنَ بَيانٍ حين قال:"إنَّ المبادىءَ والأفكارَ في ذاتِها بلا عقيدةٍ دافعة؛ مُجَرَّدُ كلماتٍ خاويةٍ، أو على الأكثرِ مَعانٍ مَيِّتة! والذي يمنحُها الحياةُ هو حَرارةُ الإيمانِ المشِعَّةُ مِن قَلبِ إنسان.. لن يؤمِنَ الآخَرُون بمبدأ أو فِكرةٍ تنبُتُ في ذِهنٍ بارِدٍ، لا في قَلبٍ مُشِعٍّ.. آمِنْ أنتَ أولًا بِفِكْرتِك، آمِنْ بها إلى حد الاعتقاد الحار؛ عندئذ فقط يؤمنُ بها الآخَرُون؛ وإلا فستَبقَى مُجرَّد صِياغةٍ لَفظيةٍ خاليةٍ مِن الروح والحياة.. لا حياةَ لِفِكْرَةٍ لم تتقمَّصْ رُوحَ إنسانٍ، ولم تُصبِحْ كائنًا حَيًّا دَبَّ على وجهِ الأرضِ في صُورةِ بَشَرٍ... كلُّ فِكرةٍ عاشَتْ قد اقتاتَتْ قلبَ إنسان! أما الأفكارُ التي لم تُطْعَمْ هذا الغذاءَ المقدَّس؛ فقد وُلِدَت مَيِّتة، ولم تدفَعْ بالبشرية شِبرًا واحدًا إلى الأمام"! [73]

[1] هو شيخ الإسلام عمر بن الخطاب بن نُفيل العدوي"أسلم بمكة قديما، وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله . وولي الخلافةَ عشرَ سنين وخمسةَ أشهر". تهذيب الكمال لأبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمان المِزِّي21/316-317. وقال ابن عبد البر:"كان إسلامه عزّا ظهر به الإسلام بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم". الاستيعاب لابن عبد البر3/1145 نقلا عن تحقيق الشيخ بشار عواد لتهذيب الكمال 21/322. وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وحدّثَه عن قصرٍ له فيها, كما شهد له بالدِّين والعلم حيث قال: (عُرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميصٌ يَجُرُّه. قالوا: فما أوّلتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين) رواه البخاري. وجيءصلى الله عليه وسلم بقدحِ لبنٍ قال: (فشربتُ منه حتى رأيتُ الرِّيَّ يخرج من أظفاري ثم أعطيتُ فضلي عمر. قالوا: فما أوّلتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم) رواه البخاري. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون فإن يكن في هذه الأمة أحدٌ فعمر بن الخطاب) رواه البخاري. قال أبو الحجاج المزّي:"نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر, وفي الحجاب, وفي تحريم الخمر, وفي مقام إبراهيم"تهذيب الكمال 21/324. وهو الذي نشر الله الإسلام على يديه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قائلًا: (فلم أرَ عبقريا يفري فَرِيَّه) ! قال ابن عبد البَرّ:"فتح الله له الفتوح بالشام والعراق ومصر, ودوَّن الدواوين في العطاء, ورتَّب الناس فيه على سوابقهم, وكان لا يخاف في الله لومةَ لائم, وهو الذي نوَّر شهر الصوم بصلاة الأشفاع فيه, وأرّخ التاريخ من الهجرة التي بأيدي الناس إلى اليوم, وهو أول مَن سُمَّيَ أمير المؤمنين, وهو أول من اتخذ الدِّرَّة, وكان نقش خاتمه: (كفى بالموت واعظًا يا عمر!) "الاستيعاب لابن عبد البر 3/ 1145 - 1150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت