وحين ينتهي جدلهم وحوارهم يقول الشيطان كلمة الفصل [ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل] .
نعم لم يكن للشيطان سلطان عليهم، ولم يكن حتى لكبرائهم وأسيادهم سلطان عليهم، لكن اتباع الهوى بعد أن آتاهم الهدى هو السبب لأن يصيروا إلى ما صاروا إليه، وإلى أن يصلوا إلى هذه النهاية.
ثالثًا: المطالبة بالحجة في قصص الأنبياء
لقد ساق الله تبارك وتعالى قصص الأنبياء ومطالبتهم بالحجة والبرهان، حتى تكون عبرة وعظة وقدوة وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: [أولئك الذين هدى الله بهداهم اقتده] ، ومن جوانب الاقتداء في الأنبياء الاقتداء بهم في منهج الدعوة ومخاطبة الناس، وها هي بعض الأمثلة التي تبين أن الأنبياء أيضًا كانوا في دعوتهم لأقوامهم وخطابهم معهم يطالبونهم بالحجة والبرهان.
هود عليه السلام يطالب قومه بالحجة والبرهان ،قال عز وجل في سورة الأعراف: [قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما نَزَّلَ الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين] .
و يوسف عليه السلام يقول الله عز وجل عنه في سورة يوسف: [ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله من سلطان إن الحكم إلا الله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون] .
و إبراهيم عليه السلام يقول الله عز وجل عنه: [ وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئًا وسع ربي كل شيء علمًا أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل عليكم سلطانًا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون] .
و محمد صلى الله عليه وسلم يأمره الله عز وجل أن يطلب الحجة والبرهان [قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين] . ولو استطردنا في ذكر قصص الأنبياء ومطالبتهم قومهم بالحجة والبرهان لطال المقام، والمقصود أنه كما أن الله سبحانه وتعالى طالب المكذبين والمعرضين المعاندين بالحجة والبرهان والدليل فكذلك أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يطالبون أقوامهم بالحجة والبرهان والدليل، مع أن دعوى أقوامهم كانت دعوى فاسدة.
رابعًا: الحديث في القرآن عن الجوارح
و هو حديث كثير فالحديث عن الجوارح يأتي في القرآن حديثًا فيه الإشارة إلى قضية الدليل والبرهان والحجة.
أ- يمتن الله سبحانه وتعالى على عباده بأن سخر لهم هذه الجوارح. يقول سبحانه في سورة النحل: [ و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة] ،وفي سورة المؤمنون: [ و هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون] ، وفي سورة السجدة: [ ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون] ،و في سورة الملك: [قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون] .
ماذا يعني امتنان الله عز وجل على خلقه بأن جعل لهم السمع والبصر والعقل؟ إن تعطيلها من تغيير خلق الله، ولا يجوز تغيير خلق الله.
فلماذا يخلق الله للناس سمعًا وأبصارًا وأفئدة وعقلًا إذا كانت سنة الله في الناس أن يتبعوا غيرهم وأن يسيروا وراءهم، فلم لم يخلق الله سبحانه وتعالى لنخبة خاصة من الناس عقولًا وسمعًا وأبصارًا، ويترك البقية كالذي ينعق بما لا يسمع يسيرون وراءهم؟
أما وقد خلق الله للناس سمعًا وأبصارًا وأفئدةً وأمتن بها عليهم فهذا يعني أن يحكموها وأن يستخدموها في البحث والوصول إلى الحق.
ب - أمر الله عز وجل خلقه باستخدام هذه الجوارح، يقول سبحانه في سورة الحج: [أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور] .
أرأيت الذي يتلقف ما يسمع من فلان أو فلان دون أن يفكر ودون أن يتأمل ودون أن يسمع أو يبصر، أرأيت هذا قد أتى بما أمره الله به؟ أرأيت الذي ترفع له راية ويدعى بصوت فيسير وراء الداعي دون أن يعي أو يستخدم جوارحه؟ أترى هذا وذاك قد التزم أمر الله أم تراه ممن عابه الله سبحانه وتعالى؟
ج- أخبر الله عز وجل أن الطبع على هذه الجوارح عقوبة يعاقبهم الله بها، يقول الله عز وجل في سورة البقرة: [ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة] . ويقول أيضًا: [أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم] عجبًا لأولئك، يخبر الله سبحانه وتعالى أن الطمس على هذه الجوارح عقوبة يعاقب بها بعض عباده فكيف يطمس العبد جوارحه كيف يطمس قلبه ويطمس سمعه ويطمس بصره ليصبح بعد ذلك إمعة يقوده الناس فينقاد؟