د -أخبر الله عز وجل أنه سيحاسب الناس على هذه الجوارح قال تعالى: [ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا] ، الذي أمره الله أن يسمع وأمره أن يبصر وأمره أن يتفكر ويفكر ولم يلتزم أمر الله عز وجل ،ألن يسأل عن هذا؟.
هـ - لقد عاب الله عز وجل في القرآن على أولئك الذين لم ينتفعوا بهذه الجوارح ولم يستفيدوا منها، يقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة: [ صم بكم عمي فهم لا يرجعون] ويقول: [ومثل الذين كفروا كمثل الذين ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صم بكم عمي] .
و هذه الآية فيها أمران: الأمر الأول: بأن الله عابهم بأنهم صم بكم، الأمر الثاني: أن الله شبههم بالذي ينعق بما لا يسمع، ومن الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء؟ إنه الراعي فالبهيمة لا تسمع إلا الدعاء والنداء، لكنها لا تفقه ما يقوله الراعي، تفهم أن هذه الكلمة كلمة زجر، تفهم أن هذه الكلمة دعوة للطعام، وأن هذه الكلمة دعوة للشراب ، وأن هذه الكلمة دعوة إلى للمراح والمبيت.
إذًا فالذي يعطل جوارحه عن سماع كلمة الحق وعن سماع الحجة والبرهان لا يسوغ أن يمتدح بأن يسير على الجادة، بل هو ممن قال الله عز وجل فيهم: [ صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم] .
والإفاضة في الحديث عن آيات القرآن الكريم يطول، أظن أن فيما تحدثنا عنه كفاية في دعوة الناس إلى أن يتعبدوا الله عز جل بما في كتاب الله سبحانه وتعالى، وأن يتعبدوا لله بما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عما ورثوه من آبائهم وأجدادهم، وبعيدًا عن تلك التقاليد والرسوم التي عهدوها وألفوها، وبعيدًا عما يسمعونه من رأي فلان وفلان من الناس، سواء أكان علمًا متبوعًا أم سيدًا مطاعًا.
إن هذا كله أيضًا دليل على أن أولئك الذين يسيرون ويعطلون عقولهم ليسوا أهلًا للمدح والثناء، بل أشبه بأولئك الذين ذمهم الله عز وجل وعابهم وأخبر أنهم ضالون، والسلف لهم مقالات طويلة في العيب على المقلدة وذمهم ونقدهم ليس هذا وقت حصرها لكني أورد أبياتًا لإمام المغرب ابن عبدالبر رحمه الله يقول:
يا سائلي عن موضع التقليد *** خذ عني الجواب بفهم لب حاضر
و أصغي إلى قولي دون فصيحتي *** و احفظ على بوادري ونوادري
لا فرق بين مقلد وبهيمة *** تنقاد بين جنادل ودعاثر
تبًا لقاض أو لمفت لا يرى *** عللًا ومعنى للمقال السائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة *** المبعوث بالدين الحنيف الظاهر
ثم الصحابة عند عدمك سنة *** فأولئك أهل نهي وأهل بصائر
و لا يزال المصلحون يعانون من هذا الصنف من الناس الذي يحتج عليه دائمًا بما ورثه عن آبائه وأجداده، أو بما قلده عن فلان وفلان، وهي معاناة لا تعدو إلا أن تكون امتدادًا لمعاناة الأنبياء الذين حين يجيبهم قومهم بقولهم ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
عذيري من قوم يقولون كلما *** طلبت دليلًا هكذا قال مالك
فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب *** وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدت قالوا قال سحنون قبله *** ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قللت قال الله ضجوا وأكثروا *** و قالوا جميعًا أن قرن مماحك
و إنه قلت قد قال الرسول فقولهم *** أنت مالكًا في ترك ذلك المسالكُ
فهذا المنذر بن سعيد رحمه الله كان مصلحًا وكان يدعو للإصلاح ولهذا يحكي معاناته مع قومه فيها رواة عنه ابن عبدالبر يقول:
نعم كان يعاني من أولئك الذين يحتجون عليه بقول الرجال، فإن قلت قال الله عز وجل ضجوا، وإن قلت قال النبي صلى الله عليه وسلم قالوا إن فلانًا أعلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يترك ذاك إلا وقد أنته الحجة والبرهان في هذا.
و بعد هذا السرد الطويل لهذه الآيات في كتاب الله عز وجل، ولما لبعض ما روي عن سلف الأمة من عيبهم لأولئك، لا بد من الاعتماد على الحجة والبرهان في اعتقادنا، فلا يسوغ أن نعتقد أمرًا في ذات الله سبحانه وتعالى إلا وعندنا فيه حجة وبينة وبرهان وإلا كنا مثل أولئك الذين حينما يأتيهم نبي يقولون ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
و في عبادتنا أيضًا فلا يسوغ حين يدعونا فلان من الناس ومعه حجة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعونا أن نترك أمرًا مبتدعًا في دين الله، لا يسوغ أن نحتج عليه بأنه أمر ورثناه واعتدنا عليه ولم نشهد له نكيرًا.
ولا يسوغ حين ينكر علينا منكر أو حين تؤمر بأمر لم نعهده، لا يسوغ حين ندعي لذلك بدليل وبرهان أن نحتج بما لقيناه وورثناه عن آبائنا وأجدادنا أو ما سمعناه من فلان وفلان من الناس.
وفي دعوتنا فحين تدعو الناس ينبغي أن ندعو بالحجة والبرهان والدليل، وهكذا كان أنبياء الله.